أخبار ||

ما الرابط بين اغتيال الهاشمي و”خلية الكاتيوشا” التابعة لـ”حزب الله” العراقي؟

أثارت حادثة اغتيال الباحث السياسي هشام الهاشمي على يد جماعات مسلحة ليل الإثنين 6 يوليو (تموز)، غضب الأوساط العراقية فضلاً عن إثارتها أسئلة عديدة بما يتعلق بالجماعات التي توصف دوماً بـ”المجهولة” على حد تعبير الجهات الأمنية، في وقت يؤكد فيه مقربون من الهاشمي أنه كان قد تعرّض لتهديدات سابقة من ميليشيات موالية لإيران.

وعمل الهاشمي في تقديم التقارير الامنية التي ترصد سلوكيات تنظيم داعش وقبله القاعدة، وتدقيق الوثائق المتعلقة بالتنظيم وتقديم إحاطات واستشارات للقوات الأمنية العراقية، التي كانت تخوض معارك تحرير المدن، كما تواصل مع زعماء الفصائل المسلحة وأجرى حوارات مع بعضهم طيلة فترة الحرب ضد التنظيم، إلا أنه أصبح بشكل تدريجي هدفاً لهجمات التحريض إلى جانب مجموعة من النشطاء والصحفيين.

ومع زوال خطر تنظيم “داعش”، أواخر العام 2018، وتصاعد المطالبات بإنهاء ظاهرة الفصائل المسلحة وانفلات السلاح، اشتدّت لهجة إعلام الفصائل ضد النشطاء الذين كانوا يواصلون طرح الأسئلة حول مواضيع تعتبرها الفصائل المسلحة غير محبذة، مثل “هيبة الدولة”، و”حصر السلاح” و”دمج قوات الحشد الشعبي في أجهزة الدولة”.

وأواخر العام 2019، بلغت حملات التحريض ضد النشطاء ذروتها، حين نشرت جهات اعلامية على صلة بـ”الحشد الشعبي” قوائم بأسماء صحفيين وكتاب ومدونين وإعلاميين، من بينهم الهاشمي، اتهمتهم بـ”العمالة للسفارة الأميركية والترويج للتطبيع مع إسرائيل”.

ووثق مرصد الحريات الصحفية وعبر تقريره المفصّل في 3 سبتمبر (أيلول) 2019، وقوف واحد، على الأقل، من عناصر الحشد الشعبي خلف ترويج قائمة الأسماء التي احتوت اسم الهاشمي.

وازدادت حدة الاشتباك بين الهاشمي و”كتائب حزب الله” بعد اعتقال القوات العراقية عناصر من الكتائب في 26 يونيو (حزيران) المنصرم، فبينما كان إعلام “الكتائب” يروّج أنباء عن إطلاق سراح العناصر المعتقلين، كان الهاشمي يؤكد على حسابه في تويتر، أن العناصر ما زالوا قيد الاعتقال، وهو ما أثار غضب المسؤول العسكري للكتائب أبو علي العسكري، الذي كتب للهاشمي “هل تحب أن نجلبك للجلوس في مقر الكتائب من أجل أن تتأكد؟”.

ويعزو مراقبون “العداء” الذي يُظهره عناصر الفصائل، وعلى رأسهم “الكتائب” للهاشمي، إلى كشف الأخير هوية العسكري رغم محاولته إبقائها طي الكتمان، بما يوفر له مساحة للإفلات من عواقب التهديدات والتصريحات التي يطلقها.

وفور اعلان خبر اغتيال الهاشمي في منطقة “زيونة” شرق العاصمة بغداد، استعاد زملاء الباحث تغريدة سابقة له، كان قد تحدث فيها عن ما وصفه بالهوية الحقيقية لمسؤول الكتائب أبو علي العسكري.

وفي التغريدة، يقول الهاشمي إن “اسم ابو علي العسكري هو على الأرجح “حسين مؤنس، وهو عضو مجلس شورى كتائب حزب الله، والمسؤول عن شبكات اللادولة المسيطرة على الدولة” كما أرفق صورة منسوبة للعسكري.

“خلية الكاتيوشا” واغتيال الهاشمي

في المقابل، يربط صحافيون ومدونون مقربون للهاشمي عملية اغتياله بـ”دور فاعل اضطلع به في إيصال معلومات للجهات الرسمية بشأن ما عرفت بـ”خلية الكاتيوشا”.

ونشر أحمد الياسري وهو باحث في الشأن السياسي مقرّب من الهاشمي رسالة من الأخير تبين تعرضه لتهديدات من “كتائب حزب الله”.

ويقول الياسري لـ”اندبندنت عربية”، إن “الرسالة بيننا كانت مطولة تتعلق بمقطع فيديو وردت فيه اتهامات من قبل الميليشيات، وكان قد ذكر في أكثر من مناسبة أنه يتلقى تهديدات مباشرة من كتائب حزب الله”.

ويضيف، “كتائب حزب الله هي التي اغتالت الهاشمي، بعد أن علمت بأنه مَن سرّب للكاظمي المعلومات حول خلية الكتائب التي كانت تستعد لقصف المنطقة الخضراء بصواريخ الكاتيوشا، ولذلك تم وضعه على قائمة الاستهداف”.

ويتابع الياسري “حادثة اغتيال الهاشمي رسالة تهديد مباشرة للكاظمي نفسه وللعراقيين”، مستبعداً ما وصفها بـ”الادعاءات غير الدقيقة” حول ضلوع تنظيم “داعش” بعملية الاغتيال.

بيان زائف

وكانت حسابات تابعة للفصائل، قد كثفت نشر بيان منسوب لتنظيم داعش يتبنى اغتيال الهاشمي، إلا أن مركز “التقنية من أجل السلام” المعني بملاحقة الأخبار الزائفة، نفى صدور البيان من منصات التنظيم، مؤكداً انه غير صحيح.

 ويلفت الياسري إلى أن “اغتيال الهاشمي دليل على أن “ثورة تشرين” تتجه بالاتجاه الصحيح”، مردفاً “قتلتم هشام لكنه سيقتلعكم”.

ويختم أن “إيران فسرت حركة الكاظمي الأخيرة على أنها محاولة إجهاز وإنهاء لنفوذها، وهذه الحوادث رد فعل إيراني على تلك الحوادث”.

شارع فلسطين وثقل “كتائب حزب الله”

وتعيد المنطقة التي اغتيل فيها الكاظمي إلى الأذهان، مواجهة سابقة خاضتها الدولة العراقية لضبط الأوضاع في إحدى أكثر المناطق غموضاً في العاصمة بغداد.

ومنذ سنوات، خاضت قوات عمليات بغداد، محاولات للسيطرة على منطقتي “شارع فلسطين” و”زيونة” إلا أنها لم تسفر عن شيء.

في غضون ذلك، أعفى الكاظمي المسؤول الأمني عن منطقتي “شارع فلسطين” و”زيونة” من منصبه، وجاء في بيان مقتضب لوزارة الداخلية العراقية أن “القائد العام وجّه بإعفاء قائد الفرقة الأولى بالشرطة الاتحادية من منصبه”.

ويُعد شارع فلسطين المقر الأبرز لـ”كتائب حزب الله”، وكان قد شهد مواجهات سابقة بينها والقوات الأمنية، إذ يتخذ الفصيل المسلح من المنطقة مقراً لنشاطه.

وسبق أن أثارت “كتائب حزب الله” جدلاً عند اتهامها باختطاف عمال أتراك في سبتمبر 2015، حيث قامت قوة أمنية بمداهمة مقر يتحصن فيه عناصر ينتمون للفصيل المسلح في ما عرف حينها بعملية “جامع بقية الله”، إلا أن وساطة رئيس اللجنة الأمنية في البرلمان العراقي حاكم الزاملي أنهت الاشتباك.

أما في عام 2018 حصل اشتباك آخر بين “الكتائب” وقوة أمنية أخرى في المنطقة، لكنها انتهت بتدخل رئيس جهاز الأمن الوطني قاسم الأعرجي والذي كان يشغل منصب وزير الداخلية حينها.

وكانت مصادر أمنية قد تحدثت عن سعي “الكتائب” لتحويل المنطقة إلى مربع أمني تابع لها إلا أن أي إجراءات أمنية حكومية لم تجر بعد تلك الحوادث.

وورد اسم “شارع فلسطين” مرات عدة، حتى في سياق عمليات القصف المتواصلة على المنطقة الخضراء التي تضم مباني حكومية والسفارة الأميركية، فضلاً عن مقرات البعثات الدبلوماسية الأجنبية الأخرى، حيث أعلنت خلية الإعلام الأمني في فبراير (شباط) الماضي العثور على منصة لإطلاق الصواريخ في المنطقة التي تتوزع فيها مقار رئيسة للفصائل.

رسالة إلى الكاظمي

ونشر زعيم “تيار مواطنون” غيث التميمي، وهو مقرب من الهاشمي رسائل وجّهها الأخير له تبيّن تعرّضه لتهديدات سابقة من قبل “كتائب حزب الله”.

وكتب تعليقاً على الصور التي أوردها في “تويتر”، “كما وعدت، وفاءً لك يا هشام لن اسكت واشترك في قتلك عن طريق اخفاء الادلة عن الرأي العام”.

وأضاف “‏دم هشام مسؤوليتنا يا شباب يجب ان لا نسكت على جرائمهم، يجب أن لا ينام القتلة آمنين”، مناشداً رئيس الحكومة بالقول “‏الأخ الكاظمي مسؤوليتك الآن، ولدينا مزيد!”.

ونشر التميمي تغريدة أخرى وجهها إلى رئيس الحكومة مصطفى الكاظمي، أعلن فيها امتلاكه وثائق تحدد الجهة المتورطة بقتل الهاشمي، فيما أشار إلى أن “الهاشمي زودني بها وانا على أتم الاستعداد لتزويدكم بكافة التفاصيل”.

وتابع أنه “قد تم تهديدي من قبل الجهة ذاتها، بسبب إعلاني عن وجود الوثائق”، مضيفاً “ننتظر منك الموقف وإذا قتلت فإنك مسؤول عن دمي ودم هشام”.

وفي مقابلته مع قناة “الحرة”، أكد التميمي أن الهاشمي أبلغه بتلقي تهديدات بالقتل من “كتائب حزب الله” وأرسلوا له التهديد عن طريق طرف سياسي موثوق معروف”.

خلع الأقنعة

وتناقل صحافيون ومدونون مقربون للهاشمي اتهامات لكتائب حزب الله بالضلوع بعملية الاغتيال، مشيرين إلى أن هذه العملية تبين تحوّلا خطيراً في حراك تلك الجماعات في العراق.

وقال صحافي رفض الكشف عن هويته نظراً للمخاطر الأمنية، إن “الذي تغير في سياق عمل الفصائل المسلحة أنها أصبحت تتعامل مع مجريات الأمور بوصفها حالة حرب، وتعتبر كل من ليس معها عدواً، وموقف هشام الهاشمي كان قوياً في عملية جهاز مكافحة الإرهاب ضد كتائب حزب الله”.

وأضاف لـ”اندبندنت عربية” “على الكاظمي أن يفهم، أن الأقنعة تم خلعها، وأصبحت المجاميع المسلحة تقول من يود المواجهة بكلمة فلدينا رصاص لنرد به”، مردفاً “أظن أن التهديدات التي كانت سابقاً في إطار التخويف ستتوقف، وبدأ التنفيذ الحقيقي لتلك التهديدات، نعيش الآن فترة القتل لا التهديد”.

وأشار إلى أن عدم إقدام حكومة الكاظمي على خطوة كبيرة وحقيقية، “فسيعرض حياته وحياة رئيس الجمهورية وكل القياديات الأمنية في خطر، فأمن الشارع اليوم ليس ملك الدولة بل ملك هذه الجماعات”.

“تغريدة” أخيرة

وكان الهاشمي قد نشر قبل مقتله بدقائق تغريدة عبر حسابه الرسمي في تويتر، تتحدث عن الانقسام في بلاده. وورد فيها “تأكدت الانقسامات العراقية بعرف المحاصصة الذي جاء به الاحتلال “شيعة، سنة، كرد، تركمان، أقليات” الذي جوهر العراق في مكونات. الأحزاب المسيطرة “الشيعية، السنية، الكردية، التركمانية…” التي أرادت تأكيد مكاسبها عبر الانقسام. الأحزاب الدينية التي استبدلت التنافس الحزبي بالطائفي.

ويعد الهاشمي أحد أبرز الباحثين بشأن الجماعات المسلحة وقاد حملات إعلامية ضد تنظيم “داعش” بعد سيطرته على مناطق واسعة من البلاد، وله مؤلفات عدة في هذا الإطار فضلاً عن كتابة بحوث لمراكز مرموقة بينها “تشاتام هاوس” و”مركز السياسة الدولية”، الأمر الذي عرّضه لتهديدات عدة من التنظيمات المتشددة.

وتبقى حوادث الاغتيال المتكررة في البلاد رهينة التحقيقات التي لم تسفر يوماً عن التوصل إلى الجناة الحقيقيين، وتُنسب دائماً لـ”مسلحين مجهولين”، الأمر الذي يعزوه مراقبون للنفوذ الأمني والسياسي الكبير الذي تحظى به الجماعات المسؤولة عن تلك الحوادث.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *