أخبار ||

في ذكرى مجزرة الشعيطات: داعش صناعة الكراهية وخرائط الدم..

أصدر تنظيم داعش فتواه في ما أسماهم بـ ” مرتدي عشيرة الشعيطات” في منطقة دير الزور في سورية، حيث أعدم التنظيم أكثر من 100 شخصاً من أفرادها في بادية الشعيطات، ببلدات غرانيج، وأبو حمام، والكشكية،  عقب سيطرة التنظيم على المنطقة. وتشير مصادر موثقة أن معظم الذين تم إعدامهم، هم من المدنيين، وأنه تم تنفيذ الإعدام بعد أسرهم أحياء من قبل مقاتلي داعش، بعد أن اعتبر  التنظيم عشيرة الشعيطات ” طائفة كفر يجب تكفيرها وقتالها قتال الكفار بإجماع العلماء، ولَا يجوز أن يعقد لهم ذمة ولا هدنة، ولا أمان، ولا يطلق أسيرهم ولا يفادى بمال ولا رجال، ولا تؤكل ذبائحهم، ولا تنكح نساؤهم ولا يسترقون، ويجوز قتل أسيرهم واتباع مدبرهم، والإجهاز على جريحهم، ويجب قصدهم بالقتال ولو لم يقاتلونا إبداء”.

ارتكب تنظيم داعش إحدى أكثر المجازر وحشية في سورية. كان ضحيتها عشيرة الشعيطات في محافظة دير الزور، وهي إحدى أكبر العشائر العربية في البلاد. وأصدر التنظيم، في صيف سنة 2015، حكماً بالقتل على كل من يتجاوز عمره 14 عاماً من أبناء العشيرة مع مصادرة أراضيهم وبيوتهم وسبي نسائهم.

ويبدو أن أهالي الشعيطات قد سلموا أمرهم في نهاية المطاف، بعدما حاولوا مراراً التخلص من غطرسة البغدادي وعناصره، مقدمين في سبيل ذلك أثمانا باهظة من أرواح أبناء العشيرة، التي لم تبخل بتقديم التضحيات خلال حربها ضد نظام الأسد ودحره من مناطقها في سبيل الحرية، التي جاء عناصر داعش لتسلبهم الانتصار.

جرائم غير مسبوقة و شهادات من المجزرة

حوادث القتل التي ارتكبها داعش بحق المدنيين لا يمكن نسيانها” تتذكر إحدى نساء العشيرة. بعد انتهاء القتال بالكامل، سمح التنظيم لبعض أفراد العشيرة بزيارة قراهم التي هجرهم منها. و دخلنا إلى قريتنا غرانيج بعد أن ذبح فيها داعش 300 مدني. ملأت رائحة الموت المكان. معظم الضحايا قتلوا ذبحاً بعد أن ربطت أيديهم خلف ظهورهم، ثم ألقوا في قنوات الصرف الصحي”.

ويذكر أهالي المنطقة قصة الشاب جاسم الذي آتى من السعودية خلال فترة العيد، والتي تزامنت مع هجوم داعش. أوقفه حاجز للتنظيم عند ناحية العشارة، وعندما علم حرس الحاجز أن أصله من قرية الشعيطات قبضوا عليه وصلبوه على شجرة .

شكلت مجزرة الشعيطات إحدى أكبر المجازر المروعة في سورية، فقد قتل المئات ذبحاً من عشيرة الشعيطات أهم عشيرة في شرق سورية، وأصدر حكماً بالقتل على كل من يتجاوز عمره الأربعة عشر ربيعاً. وتروي صحيفة الحياة عن شهود عيان ” إن عدد أفراد الشعيطات يناهز المئة ألف، وهم معرفون بالشجاعة والبأس بين كل العشائر في شرق البلاد، حيث كان التنظيم يخشى الاصطدام مع عشيرة الشعيطات. فأبرم معها اتفاقاً ينص على تسليم القبيلة الأسلحة الثقيلة وأن لا يتعرض أي منهما للآخر مقابل عدم تدخل «داعش» بشؤونها. لكن داعش على ما يبدو كان ينتظر الفرصة المناسبة للانقضاض على القبيلة بسبب سيطرتها على آبار النفط. كان أبناء الشعيطات يدركون نوايا داعش فلم يسلموا أسلحتهم الثقيلة. قويت شوكة التنظيم كثيراً بعد سيطرته على الموصل.

أقدم التنظيم على اعتقال عدد من الأشخاص وتصفيتهم، وقد ازدادت وتيرة التجاوزات الداعشية، والتحرش بأبناء القبيلة. كان أهمها ما حصل في التاسع والعشرين من تموز (يوليو) 2014، حين اعتقل مسلحون تابعون للتنظيم شخصاً أثناء حفل زفافه. استشاطت العشيرة غضباً، فهاجم العشرات من أبنائها أحد مراكز تنظيم داعش وقتلوا أمير المجموعة وهو من الجنسية التونسية، ومعه ثمانية آخرون، ثم أحرقوا المقر. فأعلن داعش الحرب وبدأ هجومه الشامل. بينما دعت الشعيطات جميع العشائر للوقوف إلى جانبها لأن الخطر سيصل إليهم. لم يستجب لها أحد إلا عشيرة شويط ، بينما لم يتمكن من مناصرتهم حتى العشائر الأقرب، التي تجمعها معهم صلات قربى.

نصب عناصر التنظيم المدافع على أربعة محاور، في دوير وهجين والسكة والجرذ الغربي، وبدأوا بالقصف العشوائي والعنيف على كل قرى الشعيطات. استبسل أبناء العشيرة في الدفاع عن أنفسهم، فقتلوا المئات من عناصر داعش، ودمروا الكثير من آلياتهم ودباباتهم. بعد خمسة وعشرين يوماً نفدت ذخيرة الشعيطات فتمكن تنظيم الدولة من التقدم.

تروي إحدى الأمهات الشعيطيات، ” أن معظم الأهالي هربوا عبر الحقول، فهناك مزارع كبيرة عبروا منها إلى نهر الفرات. أما هي وطفلتها فلم تستطيعا الهروب بهذه الطريقة، ما اضطرها إلى الخروج من أنابيب الصرف الصحي إلى ضفة النهر، وهناك كان ينتظرهم قارب يقل الفارين إلى الضفة الأخرى إلى بلدة صبيخان. ويقول رجل مسن ” إن الدواعش نهبوا البيوت وسرقوا المحال التجارية والمواشي، وكانت فرقة من الدواعش يدخلون إلى القرى اسمها ” فرقة القصاص”، معها عدد من العملاء التابعين لأبي علي الشعيطي. كانت مهمة هؤلاء إرشاد الفرقة على قادة المجموعات، ليفجروا بيوتهم أو يقتلوهم إن استطاعوا القبض عليهم.

انتهت المعارك لكن غبارها لم ينجل. لم يعرف حجم المجازر التي ارتكبها التنظيم داخل هذه البلدات. بعد مفاوضات متكررة استمرت أسابيع سمح التنظيم للنساء بالدخول لتفقد ذويهم. تروي هذه الأم وطفلتها أهوال ما رأت أعينهم، حيث رائحة الموت تملأ المكان. فمئات الجثث في الطرقات وفي خنادق المياه المخصصة للصرف الصحي، وبعض القتلى تمت تصفيتهم بالرصاص، ومعظمهم قتل ذبحاً بعد أن ربطت أيديهم خلف ظهورهم، ثم وضعت رؤوسهم على ظهورهم. أما أغرب ما رأت أعينهم فهو صلب بعض الشبان على الأشجار وعلى الأعمدة، حيث وضعت أيديهم بشكل يحتضن الشجرة أو العمود من الخلف ومن ثم ربطت معاصمهم. قتل هؤلاء بالسواطير كما تروي الأم الشعيطية، فالآثار واضحة على رؤوسهم المهشمة. وأن أحد أقربائها أتى من الكويت لتفقد أهله. أوقفه حاجز في منطقة العشارة. قبضوا عليه وصلبوه على إحدى الأشجار وذبحوه. تقول البنت لأمها التي انهمرت الدموع من عينيها، ” أخبريه يا أماه عن أولاد عمي حمدون وهدروس كيف فقأوا أعينهم ولم يتركوا إلا رؤوسهم.

عادت المفاوضات مع داعش ليسمحوا لهن بدفن الجثث. فوافق التنظيم على دخول جرافة، ووضع الرمل على الجثث في مكانها، للتخفيف من الرائحة من دون السماح لهم بحفر قبور ودفنهم فيها. أما بعض قادة المجموعات، فقد صلبهم عناصر التنظيم ولم يسمحوا بدفنهم لوقت طويل. وعن عدد القتلى يقول الجد الذي أنه ناهز الثمانمئة، فـداعش لم يكتف بقتل من وجد داخل هذه البلدات بل طاردوهم إلى القرى المجاورة. فقتلوا في الشعفة نحو مئة شخص، وفي هجين نحو مئة وخمسين وفي العشارة نحو خمسة وسبعين وأعدموا بحقل العمر نحو خمسمئة .

الشعيطات: بين القتل و التهجير

تنتشر عشيرة الشعيطات في ثلاث قرى من الريف الشرقي لدير الزور ،هي ( غرانيج – أبو حمام – الكشكية )، ويبلغ تعداد أفراد العشيرة ما يقارب 130 الف نسمة، يتوزعون على القرى الثلاثة يربط بينهم القرابة، حيث يقدر العدد النهائي للشهداء الذين قتلهم عناصر التنظيم من الشعيطات أكثر من الف شهيد معظمهم من المدنيين، 700 منهم قتلهم عناصر التنظيم خلال أسبوعين فقط، بالإضافة إلى 1800 مفقود لا يزال مصيرهم مجهولا، كان عناصر داعش خطفوهم سراً أو جهراً واقتادوهم إلى أماكن غير معلومة، مع ترجيح إعدام العديد من منهم دون الإعلان عن ذلك كما حدث في أغلب المناطق، أما الأفظع فهو تشريد جميع الأهالي في القرى الثلاثة، حيث هام أغلب هؤلاء على وجوههم في الصحراء مع الأطفال والنساء.

بعد جهود استمرت لأكثر من ثلاثة أشهر ، سعى خلالها وجوه بعض العشائر التي بايعت التنظيم، إلى وضع آلية تعيد أهالي الشعيطات الى قراهم، جاءت موافقة داعش على عودة هؤلاء، بشروط مذلّة في مقدمتها “التوبة “، حيث يعتبرهم البغدادي وتنظيمه كفاراً لأنهم ” شقوا عصى الطاعة على أمر الخليفة” المزعوم و تنظيمه المجرم.

وجاءت شروط داعش للقبول بعودة أهالي عشيرة الشعيطات على الشكل التالي:

–   تسليم السلاح كاملاً ( بارودة – جفت – فرد )

–  الشخص الذي يثبت أن لديه سلاح يقتل بسلاحه.

–  عودة المهجرين على دفعات، وفي مقدمتهم أولئك الذين لم يثبت قتالهم لداعش، أما الذين ثبت قتالهم لداعش فيتوجب عليهم – بعد التوبة-   تهجيرهم خارج المنطقة بعلم من داعش إلى مكان يختاره التنظيم، أما الشخص الذي يتستر على شخص مطلوب فيهدم منزله فوق رأسه هو وعائلته

– حضور دروس شرعية يومياً في المسجد من عمر 16 سنة فما فوق و هو أمر إجباري  – تسليم صورة شخصية لكل شعيطي ” تائب ” من عمر 16 سنة وما فوق وهو أمر إجباري

أمام هذه الشروط، رفض غالبية أهالي  الشعيطات القبول بشروط التنظيم، الذي شرّد أكثر من مئة ألفٍ منهم معظمهم من النساء والأطفال، بعد المواجهات التي شهدها ريف دير الزور، لتبدأ مرحلة من التكفير والاتهام بالردة للأهالي وتنفيذ اعدامات ميدانية . لذلك فضل الكثير من أهالي الشعيطات البقاء في الصحراء في متحملين شضف العيش في مخيمات قاموا ببنائها من الطين في الصحراء الفاصلة بين دير الزور والحسكة، في مناطق رجعان وتل حمام وأبو خشب، في غياب لأدنى مقومات الحياة، وفي غياب واضح لأي اهتمام دولي سواء من المنظمات الحكومية أو غير الحكومية.

أما منازل الشعيطات فقد نهبت وبيعت بأبخس الأثمان على البسطات في حيث اختار التنظيم أماكن عرض ممتلكاتهم في قرى الريف الشرقي لدير الزور كعبرة لمن تسول نفسه الانتفاض على التنظيم، وبحسب شهادات أهل المنطقة والناشطين في ديرالزور «تم الاستيلاء على كل شيء حتى الدجاج والمواشي»، التي بيعت بأسعار بخسة لاتصل إلى عشر ثمنها الحقيقي.

وقد صادرت قيادات التنظيم الأغراض الثمينة والسيارات، تاركة ما بقي للعناصر، وعند استفسار الكثيرين عن مصدر هذه الأغراض، رغم نهاية المعارك في متصف آب، يكون الجواب الذي يتناقله عناصر التنظيم بلهجة مغاربية ” خذ يا شيخ ومتع نفسك، إنها غنائم مرتدين.. والله إنها أطيب الحلال إلى الله.. قرب وخذ يا شيخ”. تزامن ذلك مع تهميش إعلامي واضح لما جرى في قرى الشعيطات، ففي الوقت الذي أصبحت فيه عين العرب ( كوباني)  قضية عالمية، في إطار أجندة خاصة توضحت معالمها لاحقاً،  نسي الجميع ما تعرضت له قرى ريف دير الزور من مذابح على يد داعش، بل وتجاهل الجميع دولاً ونظاماً ومعارضة كل ما يجري في دير الزور بشكل عام، إذ أظهرت التغطية الإعلامية تهميشاً متعمداً لأولئك الذين واجهوا مصيراً أقسى حتى من مجازر الإيزيدين. في حين لم يحصل نازحو عشيرة الشعيطات الذين بلغ عددهم أكثر من 100 ألف نازح أي دعم أو مساعدة، بعد جريمة إبادة جماعية منظمة، شكلت – بحق- وصمة عار في جبين الإنسانية، مازالت فصول تداعياتها مستمرة حتى هذه اللحظة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *