أخبار ||

الإســـــلام الديمقراطــــي.

الكاتب: الشيخ رياض درار

مفكر إسلامي، ومعتقل سابق، ومعارض وسياسي سوري.

 

هل يقبل الاسلام الديمقراطية ؟

    الإسلام يدعو إلى إنسانية شاملة ،لكنه ليس مشروع دولة كونية ،بل هو مشروع ديمقراطيات تتعدد بتعدد المجتمعات ،وتشترك في فضاء الحرية ،وتعمل على اختراق الحضارات للتكامل بينها وللتواصل والتعارف والتثاقف

الدافع لهذا التقديم منطلقات أساسية تحكم المنهج الاسلامي :

1ــ دين للحياة : فالاسلام ليس مجرد طقوس تعبدية يمكن أن ترتبط بطقوس يقوم بها كاهن فيربط الفرد بالخالق أو الواهب أو المتحكم بالقدر بل هو يمتاز بالاختيار الحر والاحتكام إلى العقل حيث الشهادة بالتوحيد لايقبل فيها التقليد وإنما الاقتناع الحر، والطقوس التعبدية يمكن تحميلها أهدافا للتماسك الجمعي وللتعاضد البشري إضافة إلى ربطه الدنيا بالآخرة حتى يمكن أن يكون دينا من أجل الحياة الأفضل قال ال تعالى:  «‏يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه وأنه إليه تحشرون» ‏الأنفال‏:‏ 24‏‏

والآية تتضن أمورا عديدة ذكرها أبو علي الجرجاني قال : ” والرسول داع إلى الإيمان وإلى الجنة، فهو داع إلى الحياة في الدنيا والآخرة‏.‏ والإنسان مضطر إلى نوعين من الحياة‏:‏ ــ حياة بدنه التي بها يدرك النافع والضار ويؤثر ما ينفعه على ما يضره‏.‏ ومتى نقصت فيه هذه الحياة ناله من الألم والضعف بحسب ذلك‏.‏ ولذلك كانت حياة المريض والمحزون وصاحب الهم والغم والخوف والفقر والذل دون حياة من هو معافى من ذلك‏.‏ ــ وحياة قلبه وروحه التي بها يميز بين الحق والباطل والغي والرشاد والهوى والضلال، فيختار الحق على ضده‏.‏ فتفيده هذه الحياة قوة التمييز بين النافع والضار في العلوم والإرادات والأعمال‏.‏ وتفيده قوة الإيمان والإرادة والحب للحق، وقوة البغض والكراهة للباطل‏.‏ فشعوره وتمييزه وحبه ونفرته بحسب نصيبه من هذه الحياة، كما أن البدن الحي يكون شعوره وإحساسه بالنافع والمؤلم أتم، ويكون ميله إلى النافع ونفرته عن المؤلم أعظم‏.‏ فهذا بحسب حياة البدن، وذاك بحسب حياة القلب‏.‏ فإذا بطلت حياته بطل تمييزه‏.‏ وإن كان له نوع تمييز لم يكن فيه قوة يؤثر بها النافع على الضار‏” انتهى.

وحياة البدن تتطلب العناية بشؤون الدنيا من إعمار واقتصا وإدارة العلاقات على الوجه الذي يضمن السلامة للجميع فاقتضى أن تتطور الإدارة إلى مانراه من دول تبني وتعمر وتسوس العلاقات والمصالح بتطور الحاجات.

2ــ العالمية : إن خطاب القرآن تضمن حديث التكريم للبشرية كلها دون تشميل لدين، تكريمَ خلقٍ واختيار ” ولقد كرمنا بني آدم ”  وجاء التمييز فيما بعد للالتزام بالنهج الالهي في التعارف والتواصل ”   يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير ” الحجرات ( 13 ) وإن فاتحة الكتاب ” الحمد لله رب العالمين  وختامه سورة باسم الناس ” قل أعوذ برب الناس، ملك الناس، إله الناس ” لدليل أنه خطاب للناس يبشرهم ويتوقع منهم خيرا ويدعوهم لممارسة مفهوم الحرية الذي هو ميزة التكريم وسر الاستخلاف وهو الأمانة التي حملها الإنسان ولاتستطيع حملها بقية الكائنات .

3ــ التنوع والتعدد : ومايتطلبه ذلك من صيانة والتزام وقبول للآخر ويشرح ذلك من خلال منة امتنها على الناس يبين فيها نعمة التنوع ” ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين ” البقرة(251)

وحتى لو اختلفوا ولم يجتمعوا على دين فهذا متروك شأنه لله يفصل فيه ولايحق لبشر أن يقسر أحدا على تغييره ” إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ” الحج ( 17) فإنها تختصّ بيوم القيامة لكنها تعني تركهم وامتدادهم على مر الزمان .

غير أن ضيق الخطاب الذي فصل في قواعد التعامل مع المختلفين ومن الفصائل التي لاتحتمل الآخر فقد سار سيرًا معاكسًا لغاية النص القرآني الذي يبحث في الحرية الاعتقادية في أكثر من 500 آية تتحدث عن حرية الضمير والتنوع في النحل والمعتقدات، وهذا دعا لإدارة الظهر لهذه الآيات استدعى شطبها عبر آليات تعمل على ابطال النصوص كآلية النسخ ، وذلك بسبب من عقلية الهيمنة والسيطرة التي استخدمت النص لأهدافها متذرعة بوحدة الدين وضرورة فناء المختلف أو إخضاعه .

4ــ النسبية :اعتبار أن الله مطلق تعني نسبية البشرية،وهذا يقود إلى تدافع الأفكار مايوصل إلى الأفضل باستمرار، بنفي النفي حتى تتقدم البشرية ولاتتوقف عند حد معين. وهذا يدعو لتواضع المسلم وعدم التعالي والانتفاخ ، ويدعوه لقبول التعلم من الآخر، فالدورة الحضارية لاتتوقف على أمة من الأمم، وكما كنا أساتذة في تعليم البشرية معالم حضارية متقدمة ، صار علينا أن نتعلم فنون الحياة واستعمالاتها في أزمة التراجع والانحطاط التي نحن عليها.

إن النسبيين يقررون أن كل شيء بإمكانه أن يخلق واقعه وأن ينتج إدراكًا لذاته فيما لايكون لغيره . وإذا كان الصراط المستقيم هو الحقيقة المطلقة، فإن طلب الهداية نحوه دليل صعود مستمر باتجاهه، وتعبير عن نسبية إدراكه وتفاوت هذا الإدراك في السير نحوه .

ولابد من إدراك أن الحقيقة لها عدة وجوه وهي موجودة عند كل أمة من زاوية تكشف عن نسبية الرؤية وتعدد وجوهها

في هذا الخضم الزاخرنجد في تعبيرات مثل الليبرالية، العلمانية، الديمقراطية، حقوق الإنسان، علاقات مركبة، تواصلية، متداخلة، لها علاقة مع حركية الاجتماع الإنساني، وتتلاقى أو تتصادم مع النظرة الدينية والولاءات الاعتقادية بحسب الحامل لها إن كان سكونيا أو ديناميكيا قابلا للتفاعل مع الجديد المنبعث من الحاجات المستجدة للمجتمعات

في مسألة الديمقراطية والاسلام

إن تأويل النص بما يقارب التطورفي العدل والحرية والمساولة وكرامة الإنسان عبر وسائل جديدة قدمتها شعوب غير مسلمة، كالعلمانية، والديمقراطية، وحقوق المرأة والأقليات، هو أفضل حالا من تضييق النص ومنعه من المشاركة في مثل هذه الفعاليات التي ساهمت في تطور البنية الاجتماعية، وفي أساليب الحكم وتداول السلطات، والمشاركة في الحقوق، ومساواة المرأة في مسائل الإرث والولاية، وفي دور المجالس التشريعية وإدارة الدول، وقبول التعددية واختلاف الرأي، والتنافس على موقع القرار، وغير ذلك. وعلى قاعدة أن الأحكام تتغير بتغير النظام المعرفي التي يجب أن تحكم رؤيتنا التجديدية، وحل الاشكاليات التي نعيشها وفق الأنظمة المعاصرة من غير تقييد ولاتجميد عند حدود مارآه الأقدمون وفق تصوراتهم المعرفية؛ فهم اجتهدوا وفق معارفهم؛ وهذا زمان لمعارف مختلفة وأكثر تطورا، والنص مفتوح عليها ينتظر قراءات جديدة .

إن الديمقراطية تضمن السلام الأهلي وتحل مشكلة المشروعية والاجتماع الشعبي للنظام السياسي، وهي تضمن ممارسة السياسة كأسلوب متحضر في إدارة شؤون الناس وحل مشكلاتهم وتناقضاتهم، وإقامة نظام سياسي يقوم على الحوار، والتفاهم السياسي، وتداول السلطة، ونبذ العنف بكل صوره، والاحتكام إلى نتيجة الانتخابات النزيهة والشفافة، وهذا يتطلب ثقافة ديمقراطية بمواجه تقليد الفوضى والتطرف الديني.

والإسلام يمتلك شريعة تمثل ثروة قانونية شاملة لمكونات الحياة، ومن ثمة يمكن أن ينبثق عنه نظام ديمقراطي أو ينسجم مع الديمقراطية يمكن أن يحل محل الأنظمة الحاكمة ويتجاوزها باستيعاب الآخر وفق ما جاء في دستور المدينة الذي أكد على المواطنة وعلى المساواة  .( يمكن مراجعة كتاب الديمقراطية في الاسلام لعباس محمود العقاد،الذي يقرر فيه أن الشريعة الإسلامية كانت أولى الشرائع السباقة إلى تقرير الديمقراطية الإنسانية؛ وهي الديمقراطية التي يكتسبها الإنسان كحق له يخوله أن يكون فاعلًا في اختيار حاكميه، وليست مجرد حيلة من حيل الحُكم لاتقاء شر أو حسم فتنة. فهو يتناول شتى مفردات تلك الديمقراطية، شاملةً مجالات: الاقتصاد، والاجتماع، والأخلاق، والتشريع، والسياسات الداخلية والخارجية، ويَخلُص في النهاية إلى أن للإسلام ديمقراطيته الخاصة، التي تتفرد بمبادئ وغايات تمنح مطبِّقيها رؤية أوسع وأكثر شمولًا، تخرج بهم من الصِيغِ المحلية الضيِقة، إلى الصِيغة الإنسانية، بل العالمية ).

إن أنظمة قامت باسم الإسلام فرضت رؤية أصحابها ..وعمل علماء السلطة وفقهاؤها على ربطه بمصالح السياسيين، خلافاً لروح الإسلام ودعوته، وبعيداً عن تطبيق الرسول في بداية الدعوة التي قامت عليها حكومة المدينة المنورة .

فالصحيفة التي جعلها الرسول بينه وبين سكان يثرب بمختلف انتماءاتهم، كانت أول دستورأعلن أن الدولة تقوم على مبدأ المصالح المشتركة بين الناس، ولا تعتمد مرجعية المشايخ والكهان .. وهي احتوت على مبدأ دستوري يدور حول حقوق المواطنة ويؤكدها، وحول حقوق الإنسان، وحرية التدين، وقامت على معيار الكفاءة لا الولاء

والصحيفة التي تأسست عليها دولة المدينة كانت إعلانا ” دستوريا” يتفق مع التوجه العلماني الأصيل للإسلام ….(هذا كتاب من محمد النبي رسول الله بين المؤمنين والمسلمين من قريش وأهل يثرب ،ومن اتبعهم فلحق بهم وجاهد معهم ،إنهم أمة واحدة من دون الناس ..وإن من اتبعنا من يهود فإن له النصر والأسوة غير مظلومين ،ولا متناصر عليهم ….).

لقد كانت الصحيفة دستورًا “ملزما” لأهل المدينة، من المسلمين والأربع عشرة قبيلة وثنية و ويهودية  ( بقي بنو أوس اللات في الحلف ولم تغير اسمها إلا بعد معركة أحد حين أعلنت الإسلام فأسماها الرسول “أوس الله” )  والصحيفة أكدت نقطتين رئيستين تجمعهما العبارة الشهيرة اليوم (الدين لله والوطن للجميع ) .وقد جعلت كل الفئات المختلفة دينياً وحدة وطنية سياسية متعايشة، حيث الجميع أمة واحدة من دون الناس، يجمعهم وطن واحد هو يثرب، يتساوون في الحقوق أمام الحكومة بصرف النظر عن معتقداتهم الدينية، ويتضامنون في الدفاع عنه إذا تعرض لأي اعتداء خارجي .

بهذه الروحية / روحية الصحيفة / يمكن التقارب مع الرؤية العلمانية التي تقوم على فصل الدين عن الدولة، حيث أن الدولة ضرورة، ومنشأ ضرورتها النظام والأمن والإعمار، لأن عدمها جور مطلق على حد قول الإمام علي / لابد للناس من أمير بر أو فاجر /..بل قيل في مأثورات العرب / سلطان غشوم خير من فتنة تدوم / .

وعلينا أن نلاحظ أن رؤيتهم لوجود أمير فاجر أوغشوم يتعارض مع الأمان الاجتماعي الذي هو من وظيفة الدولة، وهو الذي ينشده الإسلام لحامليه، لكنهم قالوا ذلك وفق وعي اجتماعي لا وفق فقه إسلامي . والوعي الاجتماعي يتغير تبعاً لتغير وعي الأفراد لأدوارهم ومواقعهم وحقوقهم وواجباتهم حيث تتغير المفاهيم والوظائف، وبذلك يتغير شكل الدولة أداء وأدواراً ومصدر شرعية وآليات تطبيق ..هذا التغير هو مصدر عدم تنميط الدولة بكونها إسلامية أو ليبرالية أو اشتراكية بشكل مطلق .إن تنميط الدولة يصادرحق المشاركين فيها من التعبيرعن انتماءاتهم أو رؤاهم أو معتقداتهم، ويلغي التنوع الذي هو من سمة الإنسان، ومصدر حيوية العالم . ( وبالتالي تنميط الدولة باسم الاسلام ليس مقصودا ً وإنما المراد النظام واسم المصدر المأخوذ منه )

والعلمانية ليست خياراً ايديولوجياً ، بل واقعا تاريخياً وموضوعياً، وهي حركة منفتحة أبداً على التحول والصيرورة بلا نهائيات ولاغائيات، وتؤدي إلى الاستقلال النسبي للمجتمع الديني والمساواة الكاملة للمواطنين أمام القانون، وتعمل على حيادية الدولة الإيجابي اتجاه جميع أبنائها ، وتسعى إلى رؤية تحمل ملامح جوهرية لإنسانية الانسان، تعبر عن طموحه إلى السيطرة على المعوقات التي تقف في طريق تقدمه وسعادته.

وإن الاعتراف بالتعدد والتنوع البشري سمة أساسية في الإسلام لا تقوم دولة بدونه ..ولا تبنى إلا على أساس الاعتراف به وبوجوده، وقد لحظ الإسلام مدى التنوع البشري، ودعا إلى احترامه وجعله مصدر حيوية للعالم / ياأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا /سورةالحجرات …ومفهوم التعارف غاية في ذاته ، وهو نابع من التنوع / ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة /سورةالمائدة .

بهذا المنظور يمكن أن نرى أن تطور النهضة الإنسانية قاد إلى ثقافة تستمد مرجعيتها من العالم المحيط وضرورات التعايش معه وفيه ..هذه الضرورات أرست مفاهيم جديدة وأدت إلى تحديث المجتمع ..وتحديث المجتمع قاد إلى الفصل بين المؤسسة الدينية والمؤسسة السياسية ..وهو ما أدى إلى إعادة تنظيم المجتمع على أسس الحرية والمساواة والعدالة والعقلانية والحقوق المدنية ..وهي عملية لا تتوقف غلى جيل معين، بل هي في صلب المستقبل الذي لا يتوقف، وتجعل الإنسان من دون النظر إلى عرقه وجنسه أو دينه أو لونه نقطة ارتكاز في المجتمع ، وتقدم له الضمانات القانونية اللازمة لممارسة تلك الحقوق واستقلاليته

ويمكن تحديد سمات الديمقراطية العامة باستقراء تجارب الديمقراطية في العالم وتطورها التاريخي ، وما أصبح يعدّ مبادئ مشتركة للديمقراطية مثل : تداول الحكم بطريقة سلمية ، وعملية انتخابية دورية سواء كانت برلمانية أم رئاسية أو كليهما ، والفصل بين السلطات ،واستقلال القضاء ومجموع الحريات العامة اللازمة لتكون مثل هذه العملية ذات معنى، وأهمية حرية التعبير عن الرأي وحرية الاجتماع ، ومجموعة القوانين التي تمنع تعسف السلطة، وتأكيد المواطنة المتساوية هي العلاقة بين الفرد والدولة،  ومشاركة المرأة ومساواتها في العمل والمنصب والحقوق . ونفي التمييز بكل أشكاله .

نحن هنا لانأتي بجديد خارج الإسلام ..بل هو من صلب سماحة الإسلام ..إننا فقط نحتاج إلى تجديد فكري ديني، وفتح الأفق أمام الديمقراطية، ونبذ الوصاية على الشعب ..وهذا يدفع كل مستلهم للحرية إلى أن يساهم بدوره في استبعاد الأحكام الفقهية التي تضع العقبات في طريق تطور الانسان بإيقافه على حدود المدينة المنورة والصحراء العربية مكاناً وعلى وجود الصحابة زماناً، وكأن الدنيا توقفت لديهم .وبالتالي فإن المنهج التشريعي يفترض به أن يحقق التطورفي المجتمعات الإسلامية ويزيل عنها الإشكالات الفقهية التي تتخبط فيها، ويفترض باعتماد هذا المنهج على ماجاء في الهدي السماوي والكتاب الحكيم وضع قانون مدني عصري يتناسب مع معطيات الواقع وظروف وحاجيات كل مجتمع من المجتمعات الإنسانية يرفع غبن القوانين في الأحوال الشخصية والتجارية وغيرها

إننا نعول على إعادة النظر في معنى النص الديني وعلاقته بالناس ،وعلى تطوير الثقافة ،والتكيف مع العالم ،وإعادة الصلة بالمكتسبات التي صنعتها الشعوب ،وما حققته من نهضة تقوم على تأمين كرامة الانسان و حريته  ما يعني أن إقامة دولة إسلامية من إجل تطبيق الشريعة بالمعنى المطروح من حركات الإسلام السياسي غير قابل للتطبيق في زماننا وهو مفهوم متجاوز وتاريخي يلغي عالمية الاسلام وكذلك يعني أن بند الإسلام دين الدولة لا حاجة له في الدساتير ، وإنما يمكن اعتماد المرجعية الأخلاقية للدولة والمجتمع .

والدولة المدنية المنشودة، ذات المرجعية الأخلاقية، لا بد أن تكون فيها حقوق الملحد كما المؤمن مصانة، فكلمة الله العليا هي الحرية لجميع الناس، بغض النظر عن معتقداتهم، وأهم مبدأ يجب تطبيقه هو احترام حرية الآخر المختلف معك بالمعتقد، والحفاظ على حقوق الإنسان وكرامته، هو الهدف النبيل الذي يستحق التضحية، وإلا أصبحنا ندور في حلقة مفرغة . والشعوب ضحت بالغالي والرخيص لتعيش حريتها لا لتستبدل طاغية بآخر

نجاح أي توجه ديمقراطي يتطلب التأكيد على مفهوم المواطنة الذي يعمل على ضبط التدافع الاجتماعي وتمتين قواعد الوحدة المجتمعية وضمان الخصوصية والتكافؤ في الحقوق والواجبات وتأكيد الحريات الشخصية للأفراد وعدم التمييز بين الأعراق والأجناس وهذا يتطلب التأكيد على  :

ـــ بناء الدولة على عقد اجتماعي يضمن حدود العلاقة بين السلطة والمواطنين

ــــ التنافس يقوم على البرامج وليس على الهويات والإنتماءات

ــــ قبول مبدأ تداول السلطة والمشاركة في الترشيح والانتخاب والتقدم للمناصب دون قيد إلا قيد المواطنة

ــــ لاتمييز بين المواطنين في الحقوق والواجبات على أساس الدين أو القومية أوالعرق أو الجنس

ـــــ احترام الثقافات وضمان حرية المعتقد والاختيار لكل فرد وإلغاء أشكال العنصرية ومفهوم أهل الذمة كونه مفهوماً تاريخيا غير مرتبط بأصل الدين ..

ــــ المساواة بين الذكور والإناث في العمل والكسب والمسؤولية والقوامة والإرث

ـــــ المعارضة تعبير عن احترام الرأي الآخر وضرورة لتطبيق الديمقراطية وتأكيد  التعددية ، وهي بنية أساسية تضمن حقوقها الدولة والدستور عبر حرية التعبير والتعددية الحزبية وتنوع الآراء واحترامها

ــــ المرجعية الأخلاقية تقوم على قيم انسانية فطرية أكدتها الوصايا في سورة الأنعام (151ــ152ـــ153) ونحن نؤكد عليها لتبقى  فوق الدستوروالعالم كله اليوم يؤكد على هذه الوصايا ويعمل بها إلا من بعض تزيّد نحن نرفضه .

ويخطئ من يظن أن الطريق ممهد نحو الديمقراطية، ولابد للديمقراطية من ديمقراطيين يعلمون مايفعلون وماهم عنها بغائبين . فالنخب التي تحدثت في المواطنة والديمقراطية والمجتمع المدني لم تبن هذه الأفكار على مضامين عملية فبقيت في علب مستوردة دون اسقاط على الواقع لأنها تهمل تكوينات المجتمع وبناه الأساسية حيث المواطنة الحقة تعترف بمكونات المجتمع المتدين وغير المتدين ، والديمقراطية تراعي المشاركة وليس التبعية .

والمجتمع المدني يحتاج لدولة قوية ليكون قويا بمواجهة التغول ويكون معبرا عن المواطنية وليس مجرد تجمعات في مؤسسات إنسانية خدمية .

ومفهوم فصل الدين عن الدولة هو رؤية اسلامية لأن الاسلام دين ودنيا وبالتالي البنية الاسلامية هي من صلب المواطنة لأنها تمثل غالبية الناس وإن لم تستوعب في العملية السياسية فهذا يعني دعوة إلى تهميش الأكثرية وهذا غير منصف.

وقبل أن نكثر النقد وندخل في جدالية المعنى علينا أن نفكر بالمحاولة والمواجهة لصور التدين الخاطيء والممارسة السياسية الخطأ ..فالاسلام السياسي فشل لأنه ارتكب إثم العيش في الماضي ولم يواكب العصر وحاجاته لذلك تحول إلى حركات التطرف والتشدد والتكفير، من غير أن يساهم في البناء والتعمير .

وفي الإسلام يمكن أن تقوم أحزاب عدة بتوجهات مختلفة، لأنه لم يكن هناك حزب واحد جامع لحاجات المسلمين ولن يقوم حزب بحاجاتهم المتنوعة، وقيام أحزاب بهوية دينية ليس معناه فرض الايديولوجيا الدينية لأن المباديء الديمقراطية ستحكم العملية وليس الديمقراطية الشكلية التي هي تكرار المقولات دون مضامين

النظام الديمقراطي لايعني حكم الأغلبية السكانية وإنما الأغلبية البرامجية التي تلتزم بالمباديء الديمقراطية، فالأغلبيات الديمقراطية لا علاقة لها بالهويات ولا بألوان الناس ومذاهبهم، وإنما علاقتها بصراع الأفكار والأحزاب ومصالح الأطراف، والحلول الوسط، والائتلافات بين القوى، والتوافقات المتغيرة بتغير المعادلات في المجتمع.

بمثل هذه التأكيدات يمكن للمسلمين أن يشاركوا بتنظيم أنفسهم ويساهموا في بناء بلادهم كمواطنين يتساوون مع الآخر ويعترفون به

يبقى التأكيد أن الطريق إلى الديمقراطية ليست مفروشة بالورود وعلينا أن نقتلع الأشواك بأيدينا ونحن نشمر ونجتهد إليها .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *