أخبار ||

العودة إلى الذات.. التاريخ الذي نجهله.

الكاتب: رياض درار / مفكر إسلامي، وسياسي سوري.

 

إن الاتفاق على أن التاريخ يبدأ من سومر؛ يتيح القراءة في هذه البدايات لتطور الفكر الانساني، وأثر الأسطورة والدين في تشكيل المعرفة البشرية، وتبيان القيمة الثورية للأديان في محاربة الألوهية الكاذبة للملوك، وفضح الدجل الذي يروجه سدنة المعابد وكهانها في تدجين الشعب وتقبله للعبودية برضى قدري لامفر منه.

  • الأبحاث التاريخية لم تصل إلى نتائج نهائية حول تطور البشرية، ولكن الكتب السماوية قاربت المعنى الغائب.. كان التعليم مشخصا ولذلك نجد الطير يعلم ابن آدم كيف يدفن الموتى

الأبحاث التاريخية لم تصل إلى نتائج نهائية حول تطور البشرية، ولكن الكتب السماوية قاربت المعنى الغائب، وأيدت بعض  الاكتشافات ماجاء فيها، ولكن كتب الدين ليست كتبا علمية، إلا أن نسبتها لوحي من الله تتطلب متابعتها في تطور الحضارة وتقدم البشرية لنعلم معنى “صدق الله العظيم” في ماقاله. ونحن نقرأ في القرآن آخر الكتب المنزلة، لما خلط على الناس في الكتب الأخرى تدخل الكاتبين وخلطهم بين سيرة الأنبياء وبين وصايا الرب، ونحاول المقاربة بينها والهداية مااستطعنا.

في القرآن، نجده يتحدث عن أثر اكتشاف النار في تطور البشرية، فالنيران التي كانت تحرق الغابات كانت مرعبة لكنها حين صارت أداة اكتشاب عرف الانسان استخدامها للدفء وللانارة ولشوي الحوم، ومع شي اللحوم عرف الانسان الشهوة التي تفترق عن الغريزة، حيث الشهوة هي رغبة واعية. لذلك ركز القرآن على الناروذكرها كصفة مهمة في التطور ( الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا فإذا أنتم منه توقدون)، وإذا هنا اشارة إلى طول المدة حتى الاكتشاف الذي جعلهم يوقدون النار بشكل واع.

كان التعليم مشخصا ولذلك نجد الطير يعلم ابن آدم كيف يدفن الموتى. ( واتل عليهم نبأ ابني آدم… الى قوله ” فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين. فبعث الله غرابا يبحث في الأرض لنريه كيف يواري سوءة أخيهقال ياويلتا أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوءة أخي فأصبح من النادمين.)

  • كان نوح أول الأنبياء الثائرين على الكهنة الذين انقلبوا على المرحلة التي كانت فيه الإلهة الأم هي الراعية، حين كان الإنسان يتصور الآلهة في شكل أنثوي يتمثل بالأم التي تحمل سر الحياة و تمنحها وتهبها لبقية القبيلة

وكان التعليم من السماء يأتي به النذر وهي ملائكة مشخصة، وكانوا يعرفون أنها ليست منهم، وهي في كل بقاع الأرض قبل ارسال الرسل من البشر ( وإن من قرية إلا خلا فيها نذير ) وكانت النذر مشخصة وكانوا يتعلمون منها وأول الرسل البشر كان نوح عليه السلام بعد أن كذب قومه المرسلين ( كذبت قوم نوح المرسلين) والمرسلون هم النذر قبل نوح.

وحين جاء نوح استغربوا لأنهم اعتادوا على الرسل الملائكة ( الله يصطفي من الملائكة رسلًا ومن الناس) وسمى الملائكة المرسلين النذر فلما رأوا نوحا يدعوهم قالوا: ( إن هذا إلا بشر مثلكم)  وقالوا ( ماهذا إلا بشر مثلكم يريد أن يتفضل عليكم ولو شاء الله لأنزل ملائكة) فهم كانوا يعرفون الملائكة من الرسل، ولكن ارسال نوح كان مناسبا لظهور نوع بسيط من لغة التفاهم، فهو جاء ليخاطبهم بما يعرفون، لذلك قال ياقوم، والقوم لفظة تطلق على جماعة تتحدث بلغة مشتركة.

لقد كان نوح أول الأنبياء الثائرين على الكهنة الذين انقلبوا على المرحلة التي كانت فيه الإلهة الأم هي الراعية، حين كان الإنسان يتصور الآلهة في شكل أنثوي يتمثل بالأم التي تحمل سر الحياة و تمنحها وتهبها لبقية القبيلة، فدورة الحيض تمثل وجودا دورة  الخصوبة وتشبه تعاقب الفصول في الطبيعة، والحمل والولادة ثم الرضاعة، بالإضافة إلى أن الأم كانت تمثل أساسا ثابتا يلتف حولها الجميع، فهي أقرب أفراد العائلة للطبيعة وأكثرهم معرفة بظواهرها ومكوناتها، تعرف الأطعمة الصالحة للأكل، وتعرف كيفية إعداد اللباس من فرو وجلود الحيوانات، كما تعرف الأعشاب الدوائية او التي يمكن إستخدامها لعلاج حالات مرضية مختلفة، و لذلك كانت الأم تمثل الأساس الذي تجتمع حوله العائلة في أولى تشكلها، مما دفع البشر حينها لتصور شكل بدائي أنثوي للآلهة التي تسير الطبيعة، هذا الشكل كان هو نفسه شكل المرأة الممتلئة خصوبة و عطاء لا ينتهي. في هذه المرحلة ترك الذكر للمرأة موقع الريادة، واستمر حضور الإلهة الأم في الوعي البشري حتى بعد الإنقلاب الذي تم  من العصر الذكوري على العنصر الأنثوي، وهي التي إنبثقت عنها تصورات أخرى لأشكال متعددة من الآلهة الأنثوية مثل عشتار وإنانا وليليث ونينورساغ الرافدية، وإيزيس و حاتحور المصرية القديمة و أرتميس و أفروديت و أثينا اليونانية، وصولا لمريم العذراء المسيحية و عرف العرب اللات و العزى ومناة قبل الإسلام.

  • شيئا فشيئا يتحول هذا الطوطم إلى تصور دائم للإله الحاضر دوما في الوعي الجمعي، و المتصل أبديا بأفراد القبيلة بكل مكوناتها، كراع لها يتجاوز سياق الزمان والمكان، ومع تعدد الأجداد وتعدد الظواهر الطبيعية تكاثرت الآلهة  تعددت وتشعبت بلا عدد او حصر، ثم بدأت تحاك حولها القصص و الأساطير والملاحم التي تروي الصراع الأزلي فيما بينها وسط عالم يتجاوز حدود الوعي البشري

مع مرور الوقت إتسعت المجتمعات البشرية و تطورت لمنظومات إجتماعية أكبر، مما نتج عنه تزايد الإحتياجات الحياتية، من مأكل و غذاء و حاجة للدفء و اللباس و ضرورة توفير منابع أكبر للماء و مجالات صيد اكثر وفرة، و هذا  شكل أول أسباب الصراع  بين المجتمعات البشرية، فبدأت القبائل تتقاتل من أجل الموارد المتوافرة و التي تزداد بإطراد بتزايد أعداد أفرادها، وهنا إنتقل مركز ثقل العائلة من الأم نحو الأب وهو المكلف بتوفير مصادر الغذاء وحماية العائلة التابعة له والمنبثقة عنه بأفرادها الأضعف مثل الأطفال والنساء، والتصدي للذكور المعتدين أو المهاجمين من قبائل أو تجمعات بشرية أخرى، و شيئا فشيئا تحول هذا الذكر لمركز العائلة، و تحولت المعرفة الحيوية بالطبيعة من الأم الكبرى إلى الذكر الأكبر والأقوى، الذي صار زعيم العائلة / القبيلة. ومع الوقت فالزعيم الأول صار هو الجد الأكبر، الذي تجمعت لديه منابع الحكمة و المعرفة، و بعد موته كان من الطبيعي أن يتحول لرمز مقدس أو طوطم  في الوعي الجمعي للقبيلة، هذا الرمز بات حينها مصدرًا أزليًا و دائمًا لتلك الحكمة و المعرفة التي تمكن أفراد القبيلة من مواجهة الطبيعة بكل صعوباتها ومخاطرها، و موته لا يعني نهايته وإندثاره التام من الوجود، فأفراد القبيلة قد رفعوا روحه لمقام من السمو والتقديس، فصار حاضرا معهم بشكل أبدي، يرعاهم بحكمته من عالم الأرواح، و يستطيعون الإتصال به عبر طقوس معينة تتشكل من رقصات وتعاويذ خاصة، وظهر ساحر القبيلة أو الشامان وهو الذي يتصل بعالم الأرواح و بروح سيد القبيلة ليسأله و يدعوه لأن يلف ببركته أفراد القبيلة، و هاته الممارسات موجودة ومتبعة إلى اليوم لدى قبائل وشعوب لم تفقد صلتها القوية بالطبيعة، وفي إطار هذه الممارسات، تتجلى الحاجة  للقربان الذي يجب تقديمه لسيد القبيلة الذي بات إلها يعبده الجميع، وهو يحتاج للأضحية في عالمه الأخروي لكي يرضى على القبيلة، هذاه الأضحية (القربان) يتم تقديمها للمقام المقدس الذي أقيم له في شكل طوطم أو مذبح يجتمع حوله افراد القبيلة، وحوله تروى الحكايات التي شكلت في وعي الإنسان أولى الأساطير التي نعرفها اليوم، ونحاول عبرها إكتشاف شكل الحياة لدى المجتمعات البشرية القديمة.

شيئا فشيئا يتحول هذا الطوطم إلى تصور دائم للإله الحاضر دوما في الوعي الجمعي، و المتصل أبديا بأفراد القبيلة بكل مكوناتها، كراع لها يتجاوز سياق الزمان والمكان، ومع تعدد الأجداد وتعدد الظواهر الطبيعية تكاثرت الآلهة  تعددت وتشعبت بلا عدد او حصر، ثم بدأت تحاك حولها القصص و الأساطير والملاحم التي تروي الصراع الأزلي فيما بينها وسط عالم يتجاوز حدود الوعي البشري (مثل ملحمة جلجامش السومرية و إينوما إليش البابلية و الماهابهاراتا الهندية و الإلياذة و الأوديسا الإغريقية) وهي كلها تمثل مستويات تطور مختلفة في تصور الإنسان للآلهة بصفات إنسانية بحتة.

  • تشكل بعد نوح نظام مجتمعي سعى للحفاظ على وجوده آلافا من السنين، وفي القصص القرآني يمكن أن نعرف خط سير التاريخ وكيف تسلسلت الحضارة فمع هود في الأحقاف وقومه عاد.

وحين ظهر نوح أول الأنبياء البشريين كان الانقلاب على الآلهة الأم حاصلا ، وكان الكهنة يتصدرون المشهد، وكان إعلانه خبر النبوة مفاجئًا لدى الكهنة، فهم اعتادوا أن تأتيهم النذر من غير البشر لذلك قاوموا نوحا الذي تدل القراءة والمكتشفات أنه عاش بين عصرين من حياة سومر قبل وبعد الطوفان السومري، يدل على ذلك  المرور بين تقويمين عرفتهما سومر ذكرهما القرأن في آية واخدة ” فلبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما ”

ومر من شعر أبي العلاء المعري قوله

وادّعَوا للمُعَمّرينَ أُموراً، لستُ أدري ما هنّ في المَشهور

أتُراهُمْ، فيما تَقَضّى مـن الأيـ ـامِ، عَــدّوا سنيّـهُمْ بالشهـور

كلّمـا لاحَ للعيـونِ هـلالٌ، كانَ حــولاً، لديــهمُ، في الدّهور

فأبو العلاء المعري من أول من استذكر مسألة الأعمار، وتأول وجود قياسين للزمان في ذلك الزمان، وهكذا تأول الآية في عمر نوح عليه السلام (فلبث في قومه ألف سنة إلا حمسين عاما) فهو عمربشري عادي لكنه مر بمرحلتين فيهما قياسان كانا لدى السومريين قبل الطوفان وبعده، أثبت ذلك وثاذق كهان ذلك العصر، في ألواح اكتشفها هيرمان هيلبرخت 1906 وعليها أسماء ملوك سومر وفترات حكمهم بآلاف السنين، وفترات أخر قريبة من حياة عادية، وذكر ذلك كونتراتيوف في كتاب ” الطوفان العظيم بين الواقع والأساطير”، فهو يذكر حسب الوثائق السومرية  التي وضعها الكهنة  لحكم الملوك السومريين الذين  حكموا مدن بلاد الرافدين قبل الطوفان وبعده تعود إلى نهاية الألف الثالث قبل الميلاد.. هذه الوثائق تقدم معطيات عن وجود خمس مدن ماقبل الطوفان نزلت الملوكية فيها من السماء:

ــ اوريدو حكمها ملكان استمر حكمهما 64 ألف سنة

ــ باتييرو حكمها ثلاثة ملوك استمر حكمهم180  ألف سنة

ــ لاركو حكمها ملك واحد 28  ألف سنة

ــ حسبار  حكمها ملك واحد 21  ألف سنة

ــ شوروباك حكمها ملك واحد 18 ألف سنة

يقول: ومما نلاحظه هنا هو فترات حكم خيالية ربما لايمكن فهمها إلا ضمن حسابها السومري آنذاك، ويبدو أن هذه الفترات انسحبت على ماجاء في التوراة من أعمال خيالية للأنبياء، لذلك في فترة ماقبل الطوفان كان هناك خمس مدن حكمها ثمانية ملوك 240 ألف سنة .

ثم حل الطوفان كما جاء في الوثائق السومرية، ثم جاءت فترة  تعود فيها الملوكية حيث:

ــ حكم  “مدينة كيش”  الرافدية  23 ملكًا لمدة 24150  أربع وعشرين ألف سنة ومائة وخمسين سنة..

ــ ثم دمرت  “كيش”  وانتقلت الملوكية لمدينة ” كي انا” التي حكمها  12 ملكًا لمدة 2310 ألفين وثلاثمائة وعشر سنوات

ــ ثم دمرت” أوروك” وانتقلت الملوكية إلى” أور” حيث حكمها أربعة ملوك لمدة 177 مائة وسبعة وسبعين سنة .

تغيرت الأرقام مابين فترتين وتغير العد فكان هناك نظامان للعد ماقبل الطوفان ومابعده، مايعطينا فترة عاش فيها نوح وسط السومريين، وأنه عاش عمرا عاديا بين وحدتين زمنيتين كل منها يقيس بقياس مختلف قبل الطوفان وبعده .

والاشارات القرآنية تتحدث عن ثورة نوح الذي دعا لإله واحد مجرد وإلى نبذ الآلهة الأرضيين الذين استعبدوا الناس بواسطة كهنة سماهم  بأسمائهم وهم ” ود وسواع ويغوث ويعوق ونسرا” وهؤلاء كهنة كان الملأ يقولون لبعضهم  ولمن حولهم رافضين دعوة نوح (وقالوا لاتذرن آلهتكم ولاتذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا).

  • تبرأ إبراهيم من المشركين وأعلن عدم مساكنتهم وغادر مع أتباعه ليبدأ رحلته الشرق أوسطية الأولى بالجمع بين أور ومكة مرورًا بالقدس ومصر.. التاريخ يبدأ من هنا، والمدنية العاقلة ترسم خطاها وتتعثر ثم تعاود بإلحاح لتضع مراسيم حضارة قامت على التنوع والتعدد والتداخل المعرفي السائر باتجاه الحرية.

وتشكل بعد نوح نظام مجتمعي سعى للحفاظ على وجوده آلافا من السنين، وفي القصص القرآني يمكن أن نعرف خط سير التاريخ وكيف تسلسلت الحضارة فمع هود في الأحقاف وقومه عاد، وكان قبلهم عاد الأولى، استمرت النذر تعلم الناس، وتم تدجين الأنعام ( تذليلها) مابين هود ونوح “واتقوا الذي أمدكم بما تعلمون أمدكم بأنعام وبنين ”  وكان نوح هو الذي وعدهم بهذه النعمة ” ويمددكم بأموال وبنين” وهذا الربط بين تذليل الأنعام والبناء هو ماثبت في التاريخ بين الحالتين، وبنين جمع بناء ولايقصد بها الأولاد، وبالبناء تجاوزوا نظام سكن قوم نوح الذين كانوا يعيشون في بيوت من قصب، في السهول والأراضي المنخفضة، ويلاحظ أنهم تعلموا من تجربة قوم نوح الذين كانوا يسكنون منطقة منخفضة فبنوا بيوتهم في الجبال” أتبنون بكل ريع آية تعبثون وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون وإذا بطشتم بطشتم جبارين “.تلك صفاتهم وهذا تطورهم سكنوا بيوتا في مناطق مرتفعة وبنوا مصانع ( خزانات) لتجميع المياه حيث كانت أمطارهم كثيرة، ونتيجة جبروتهم وبطشهم وعنادهم جاءهم عذاب نكير هو الريح. ” ريح صرصر عاتية” .

جاء صالح ومعه ظهرت الملكية الخاصة للأرض،” تتخذون من سهولها قصورا”، ( لايقصد القصورالمبنية، بل الأراضي المسيجة ، المقاطعات ) ونحتوا من الجبال بيوتا وهذا تطور في البناء وهؤلاء أخذتهم الصيحة لأن الصوت القوي لايؤثر بساكني السهول  الذين أخذتهم الرجفة ( الزلزال) ولكن في البيوت المنحوتة في الجبال ( أخذتهم الصيحة)، هذا تطور المدينة المستقرة، وبقيت مجموعات بشرية عاشت في الجبال على شكل مجموعات وقبائل تعتمد الزراعة والرعي وسيلة حياة، لم تتأثر بسلطات مستبدة ولا بالحاميات المستعمرة، وبقيت دون مستوى القبيلة، لذلك عاشت مشاعر المساواة، واحترمت مكانة المرأة فلم تعان من الاضطهاد، لذلك حين أعلن ابراهيم تمرده وقفت إلى جانبه ابنة عمه بتلك الروحية الاستقلالية، ووقف معه والده “تارح” الذي كان راعيا ورئيس عشيرة ولم يتأثر بالمدنية المزيفة، إما عمه ” آزر” الموالي للنمرود، والذي يصنع الأصنام لهم، فهو الوجه المستهجن بفعل المهنة وحياة المدينة، وابراهيم كان ينصح عمه آزر ويغضب من عمله، وحين نسمع قوله يا أبت فالعم كالوالد مربي ومطاع. ويسمى ربًا أحيانا ” وإن من شيعته لابراهيم. إذ جاء ربه بقلب سليم .إذ قال لأبيه وقومه ماذا تعبدون. أإفكا آلهة دون الله تريدون” ( سليم لها معنيان، معنى مسموم وغضبان يتميز غيضا، ومعنى نقي صاف فقوله ” من أتى الله بقلب سليم ” تعني المعنى الثاني الصفاء والنقاء. وقوله ” إذ جاء ربه بقلب سليم” تعني الغضب والغليان من أثر البغض) وهذا ماتميز به ابراهيم حين تبرأ من المشركين وأعلن عدم مساكنتهم وغادر مع أتباعه ليبدأ رحلته الشرق أوسطية الأولى بالجمع بين أور ومكة مرورًا بالقدس ومصر.

التاريخ يبدأ من هنا، والمدنية العاقلة ترسم خطاها وتتعثر ثم تعاود بإلحاح لتضع مراسيم حضارة قامت على التنوع والتعدد والتداخل المعرفي السائر باتجاه الحرية، وكان للأنبياء دور في مواجهة العبودية ومحاربتها حتى جاء النبي ابراهيم ليعطي الأمثلة الأكثر حضورا في معارف الشعوب وتوزعهم الديني، لكن الابراهيمية تبقى المدرسة المؤسسة والحاضرة لدى الجميع، فالإله الإبراهيمي نجده يمثل بكل تمظهراته أحد مستويات  التطور المدني والبناء الفكري المتجدد، ولكن صورة هذا الإله تتمظهر بأشكال متعددة لتدخل الوهم أو الهوى البشري، فتجده يظهر في اليهودية و نصوصها في العهد القديم بصورة الإله النزق والغاضب دوما، و المستعد لإفناء البشرية كلها بالكوارث من أجل معاقبتها على عصيان تعليماته، كما يبدو متعصبا لشعبه المختار ومستعدا لقتل و سحق و تدمير جميع أعدائهم المفترضين، كما يبيح لشعبه المختار بإهلاك حرث ونسل  أعدائهم  حتى حيواناتهم، بل و جعلهم عبيدا وخدما لهم. وهذا وهم البشرية في تجسيد الإله. ثم نجده  في العهد الجديد يتحول لإله مسالم و هاديء وأقرب لتلك الرؤية الوادعة التي تمتلئ صبرا على المخالف، وتحتمل الأذى رأفة وسماحة وادراكا لضعف الناس، ثم نجده  يتحول إلى إله مصلوب مع كل العذاب المؤلم كقربان يفتدي ذنوب البشر.

  • دعوة الخليل ابراهيم اقترنت بالتوحيد، واقترنت بميزان العدل الالهي، واقترنت بإعلان العبادة إلى مافوق الطبيعة إذ أعلن أن الانسان صار فوق الطبيعة بعد أن كان أدنى منها. فلم يعد يغلبه غضبها أو يهمه رضاها، بل أصبح يواجهها من غير خوف.

و في الاسلام نجده  بمنتهى الحلم و الهدوء  يحث على الإيمان به بالموعظة و الكلمة الحسنة، و يعد بالرحمة  التي تسع كل شيء، والغفران الشامل للذنوب جميعا، وخطابه لكل الناس يتركهم أحرارا ليقرروا ” من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر”،  ويسمي كل أتباع ديانة وكل من عمل صالحا وآمن باليوم الآخر فهم مسلمون، وكل أتباع الديانات التوحيدية مسلمون،  وجعل للمؤمنين من أتباع محمد خطابا خاصا يحملهم مسؤولية الهداية وأنهم شهداء على هذا التحول كما أن الرسول شاهد عليهم. ويبين لهم أنهم صاروا قادرين على التشريع الخاص لأنفسهم بحكم خاتمية الرسل بمحمد الذي ختم رسالة السماء، وعاد بالرسالة إلى الحنيفية التي أرساها ابراهيم، وهي الميل نحو كل جديد متطور، يدعو للرحمة ويكرس عالمية الدعوة، ولكن صراع الامبراطوريات وتنافس السيطرة على الأرض وفرض الايديولوجيات على حساب مبدأ التعارف الموصى به قرآنيًا، أدخل الدين في تنافس جعله يتراجع عن أهدافه، وقامت تشريعات جمدت حدوده عند مفاهيم قسمت المتدينين وفرقت بين المؤمنين، وفرقت بين البشر. مع أن القرآن أكد على مرجعية ابراهيم، وتأكيد القرآن أن ابراهيم هو الذي سماكم المسلمين من قبل، وتأكيد الرسول محمد أنه أشبه الرسل بأبيه ابراهيم، و تحول القربان البشري على يد ابراهيم ليعلن قدسية الانسان ، ويرفض  ما كانت تقدمه الملوك مستهينة بالحياة، ويكتفي بقربان من الأنعام يقدم تكفيرا أوفداء أومساعدة للمحتاجين وتقربا إلى الله به ، وابراهيم أسس للمشاعر في الحج والطواف والسعي، وابراهيم أقام الدين على مبدأ الشك قبل الإيمان، والتأكد قبل التصديق. فالإله مع ابراهيم كان هاديا مشجعا مستجيبا، لايضيره الشك الابراهيمي، يأخذ بتلابيبه ويعلمه ويهديه للصواب، لذلك تجد الثقة التجريبية لدى ابراهيم وقوة المحاججة والتصرف المناسب في الوقت المناسب.

و في هذه المقاربة يبقى الإسلام مجرد مرحلة أخرى من مراحل تطور الأديان في الوعي البشري تمتد منذ ما قبل العصر النيوليتي وحتى اليوم، وهذا التطور الذي بدأ بضرورات فرضتها الطبيعة بمكوناتها وظواهرها، و ما توفره من سبل بقاء للبشر، قد تحول مع توالي العصور من عبادة الجد الأكبر الذي يرعى القبيلة من عالم الأرواح، إلى عبادة الإله مطلق القوة و المعرفة الخالق لكل شيء. وبعض مااختلط على البشر وقاد إلى اضفاء صفات بشرية فذلك لمقاربة الادراك وتسهيل التصور لأنه ليس كمثله شيئ!.

  • ابراهيم ثورة بمعنى الكلمة، بالانتقال من الايمان الى اليقين الفكري، ثورة على التقاليد القديمة للعبودية لبناء مجتمع على  أساس فكر جديد يعتمد على العقل يكون فيه الانسان سيد نفسه وليس عبدا لشخص يدعي الألوهية.

لقد ظهر ابراهيم وسط أزمة تعاني منها المدينة وهي تعدد الآلهة التي فرضها الملوك، وكان الخلود محركهم وهاجسهم الدائم، وكان للكهنة والهامانات دور في تسويق ألوهية الملوك وخلودهم. لذلك يبقى تأثيرهم بفضل الكهنة الذين يسوقون هذا البقاء ويحضون برعاية الملك المعاصر لأنه بحاجتهم لترويج خلوده واسباغ رداء الألوهية عليه. وكان النمرود ( الملك الخالد ) معاصرا لظهور ابراهيم الذي شكل ثورة عليه عادت بالتوحيد إلى نقائه، ولكن ذلك استوجب مقاومة وهجرة استمرت جذورها وبقيت مستعدة للتفتح والانطلاق من جديد.

كان الكهنة هم من يعرفون أسرار الديانة وهم يوزعون مناصبها، فيضفون الألوهية على الملوك، فجاء ابراهيم ليفضحهم ويفضح صنائعهم، ويرد الحق إلى الواحد المعبود دون سواه وليجعل الانسان حرًا في تأملاته وفي حقه بالمعرفة أيضًا، لقد نقل سر المعرفة إلى الانسان، وعبر عنها الكاتب هنا بظاهرة التمرد ومفهوم الذبابة التي قضت على النمرود الآشوري، وأثر نخر الأفكارالجديدة لبتى الميثولوجيات القديمة وضرورة وجود فكر ونظريات تحدد الأهداف والاتجاهات لنجاح أية مقاومة. وقد فعلها ابراهيم في نظرية الشك ” أرني كيف تحيي الموتى” ( الشعوب موتى وتحتاج نفخة الروح للحياة من جديد). الحجة والمنطق والبرهان مقابل العنف أداة امتلاك العقول والقلوب. بدايات اعتماد الانسان على نفسه مع الثورة الابراهيمية، انتهت مع محمد الذي أعلن امكانية أن يشرع الانسان لنفسه.

كان انقلاب الكهان على النبوات مستمرا يعود بها إلى الوثنية، ويخضع الناس لطغيان الآلهة الذين يسكب عليهم الكهان صفة الخلود ” ملك خالد وزعيم خالد وقائد خالد”، ومع ابراهيم صارت الدعوة إلى الإله الواحد المتعالي الذي ليس كمثله شيء صرخة تسمع وتتجاوب بها الآفاق، وصدى لانطلاقة الحرية الانسانية تواجه بها الطغيان أينما كان. ولم تعد المعرفة لغزًا أو أحجية تتساءل عنها العقول وتقتصر على الكهان، واحتاج الخلاص من العبودية إلى سلسلة من الأنبياء جاؤوا بعد ابراهيم لاستمرار اليقظة وعدم توقفها ومواجهة الانقلابات الكهنية المرتدة وقطع الطريق عليها وعلى صنائعهم النماردة.

دعوة الخليل ابراهيم اقترنت بالتوحيد، واقترنت بميزان العدل الالهي، واقترنت بإعلان العبادة إلى مافوق الطبيعة إذ أعلن أن الانسان صار فوق الطبيعة بعد أن كان أدنى منها. فلم يعد يغلبه غضبها أو يهمه رضاها، بل أصبح يواجهها من غير خوف ( كما يشرح ذلك العقاد في كتابه القيم أبو الأنبياء ابراهيم)

قوة اليقين وصلابة الارادة الابراهيمية جعلته يخرج من أور ولم يعد إليها، لكن اسحق  ابنه عاد ليصاهرأهلها وليستمر نسله منها، وأحفاده هُجّرُوا إليها بعد السبي المعروف، والفتوحات الاسلامية وصلتها لتعيد بناءها، والتواصل معها، ولتحمل الراية من جديد بحيث عدت منطقة اختلاط شعوبي متعدد، واستمرت تحمل للتعددية معناها وللتحرر من الظلم قيمه.

هذه صورة العودة إلى الذات التي أراد الكاتب التنويه إليها حيث كانت أورفا موطن النبي ابراهيم أول رد على ظاهرة المدنية المزيفة وأزمتها المتمثلة بظاهرة الألوهية المتعددة التي فرض الملوك من خلالها ادعاءات الألوهية، للتحكم برقاب العباد وللسيطرة والاستبداد. فكان رد أورفا بظاهرة النبوة،

ابراهيم ثورة بمعنى الكلمة، بالانتقال من الايمان الى اليقين الفكري، ثورة على التقاليد القديمة للعبودية لبناء مجتمع على  أساس فكر جديد يعتمد على العقل يكون فيه الانسان سيد نفسه وليس عبدا لشخص يدعي الألوهية، يمكن عد تقاليد ابراهيم تجليات لثورة على النظم المستبدة التي تعتبر نفسها من الخالدين. الثورة البداية التي تعد انقلابا على الملوك الآلهة، إذ أرسلت الإله إلى السماء وأقامت في الأرض أنبياء ورسل للإله بدل الملوك

كان الصراع بين إله الشعب الذي يمثله ابراهيم، وإله النماردة الذي يعبر عن أسياد العبيد، إله ابراهيم الذي يشكل  الإله الأوحد المجرد والشامل، والذي يشكل رؤية تبعث على التأمل العميق. والذي نقل المعركة داخل أذهان الشعب نفسه بنقل المحسوس إلى المجرد” ربي أكبر من ذلك”.

إن عودة الكاتب إلى أورفا هو سعي للتذكير بالبيئة التاريخية التي شكلت أول الثورات، ثورة النبوة على الألوهيات البشرية، وعلى الاستعباد وعلى التبعية والاستسلام لمشيئة الكهنة القدامى والمتجددين، وأن أورفا التي شهدت تاريخا طويلا عاشت فيه مختلف التناقضات وصراع الطبقات وتحول الأديان، وعرفت الثقافات الاثنية والدينية، وسادت فيها أنظمة اقتصادية متنوعة تعتمد على التجارة وعلى الزراعة. أورفا يذكرنا الكاتب بأنها نشأة النبي ابراهيم حيث كان البداية وهو الختام وهو موجود على الدوام رغم وجود المدينة قبله، فهو رفض لعنة المدينة وأراد أن يغير الواقع كي يعطي لأورفا معناها الحقيقي والمقدس الذي طالما كان عنوانا لهذه المدينة، لقد أعاد ابراهيم تعريف القداسة واللعنة حيث القداسة تمرغت مرات بالدناسة وألبست ألف قناع لاتهام الشعوب بأنها ملعونة، فكانت العودة للدين الحق على أنه ثورة لتحرير الانسان وحفظ لكرامته وإعلاء قيمته وتخليصه من كل أشكال العبودية والظلم، وسعى للتوعية بخطر الذين يوظفون الدين من أجل مآرب خاصة، وأن الدين عمل وعلم وعقل، وكان لابد من بحث التفرقة بين الدين والسياسة كما أراد الكاتب وهذا حديث آخر أرجو أن يأخذ مداه من خلال المقاربة التي قام بها وسعى إليها..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *