أخبار ||

الإدارة الذاتية: مرايا التحديات وزوايا الواقع..

الكاتب: سيهانوك ديبو/ باحث وسياسي سوري.

 

تعرضت الإدارة الذاتية في شهر واحد إلى تحديين من مستويين مختلفين. يمكن القبول قولاً بأنهما من الاختبارات الصعبة التي تجاوزتها الإدارة بنتيجة تُحسب لصالحها، وتؤكد مرة أخرى بأنها النموذج الأمثل لحل الأزمة السورية، و/أو أي حل للأزمة السورية لا يراعي فيه الإدارة الذاتية لا يمكن العد به والبناء عليه؛ بل لا بد النظر إليه بمزيد من الشك وصولاً إلى الفشل.

أما التحدي الأول (ستة أيام في حارة الطي) الذي يمكن النظر إليه بأنه حلقة ضمن سلسلة طويلة؛ وهي قديمة؛ وهي على غير انقطاع عن أنظمة الاستبداد المركزي وقوى وأحزاب وشخصيات تجد نفسها تدور في فلك الاستبداد المركزي، على الأقل تشعر بنفسها وتتحسس وجودها ضمن وجود هذه الأنظمة بكل ما تخلقه من أجواء بالضد من المجتمعية، هذه السلسلة بكل حلقاتها تبغي تصوير مشهد الحل الثوري في شمال وشرق سوريا –بعيوبها ونواقصها- أي الإدارة الذاتية بأن تكون حالة احتراب بينية بين مكونات المنطقة أو حتى ضمن المكون الواحد: البعض يبغيها بشكل لا لبس فيه بأنها حرب بين الكرد والعرب، وآخرون لا يقلون عنهم وظيفة وتموقعات: بأنها حرب كردية كردية. أما الفائز الأكبر من أحداث الأيام الستة في حارة الطي فهم شعب المنطقة بكردهم وعربهم والمكونات الأخرى، وبمزيد من الأمن والاستقرار ضمن الحالة الإدارية وسلطة الشعب لنفسه بنفسه في مناطق الإدارة الذاتية.

أما التحدي الثاني؛ فيجب عدم النظر على أنه هو القرار 119 وحسب؛ الذي أصدره رئاسة المجلس التنفيذي والمتضمن رفع سعر المحروقات في مناطق الإدارة الذاتية. وعلاوة بأنه بالقرار غير المدروس بالشكل اللازم فإن توقيته سيء بشكل كبير؛ ومن عدة نواحي أهمها: جاء القرار بعد أكثر من أربعين يوم من حظر كلي وجزئي في مناطق الإدارة الذاتية، وجاء القرار بعد موسم سيئ تماماً يمر على المنطقة التي تصنف بأنها اعتمادها الأساسي على القطاع الزراعي (البعلي)، وجاء القرار قبل نحو أسبوع من انتخابات الرئاسة في سوريا والذي بات بمحل شبه إجماع محلي وإقليمي وعالمي بأن ظروف هذه الانتخابات وشروطها بغير المناسبة، ولا تسهم في حل الأزمة السورية إنما في تعقيدها بشكل يكرس حالة الانقسام الوطني السوري، كما جاء القرار في مستوى عداء مرتفع وشديد من قبل تركيا الأردوغانية نحو الإدارة الذاتية بكل مكوناتها؛ تركيا التي وصلت بها الحال إلى تجفيف نهري الفرات ودجلة؛ النتيجة في غضون فترة قريبة قادمة في حال لم يتخذ اجراءات رادعة ضد ذلك، إضافة ومتعلق بهذا أيضاً سياسة الإبادة التي تتخذها تركيا الأردوغانية ضد الكرد في كل أماكن وجودهم.

لكن أيَّها الزوايا التي يجب أن ينظر من خلالها إلى ما يحدث مؤخراً في مناطق الإدارة الذاتية؟

1- الإدارة الذاتية في ضائقة لأنها ابتعدت عن مسألتين/ قضيتين أساسيتين؛ هما قضيتان ثوريتان يجب عدم إهمالهما البتة: حقيقة الشعب المقاتل، خطوات محسوبة نحو الاكتفاء الذاتي.

2- الأغلبية المطلقة من الأنظمة العالمية والتي تعتمد مختلف أنماط الأنظمة الاقتصادية أثبتت تجربتها في دعم مواد محددة بأنها سياسات لا تكرس الفقر وحسب إنما التبعية والفساد ونشر المحسوبيات، وعليه فإن حل هذه الإشكالية يجب أن تكون على طاولة الإدارة الذاتية.

3- حتى اللحظة لم تتخلص الإدارة الذاتية من أن يكون نمط اقتصادها بالريعي؛ قد يكون لذلك أسباب ومقنعة أيضاً؛ لكن اتخاذ خطوات لخفض مستوى هذا النمط يجب أن يكون بأولوية عند الإدارة هذه اللحظة للقطع على القيم التي تتحصل وتتشكل نتيجة سيطرة نمطيات اقتصادية معينة تؤدي إلى خلق قيم ستتحول –بشكل أوضح- في وقت ما إلى أهم معرقلات التطور الاقتصادي المجتمعي بشتى أشكاله وقواه ووسائله المنتجة.

4- في الحقيقة يجب النظر إلى القرار 119 وردة الفعل المرافقة وصولاً إلى لحظة الغائه بأن الإدارة والشعب في الوقت الذي يتحملان سوياً هذه المفاعيل فإن التفاعل الذي تشكل مؤديا إلى نتيجة مؤدية يجب أن يؤدي إلى خطوات لاحقة تمنع تكرار ما حدث. بخاصة أن الجهتين التي فازت فقط هما الشعب في مناطق الإدارة الذاتية، والإدارة الذاتية كسلطة لها مسؤوليات واضحة وصريحة، أما حالة الخسارة فباتت مرة أخرى للمتربصين بهذه الإدارة كما بينّا أعلاه: الاستبداديات المركزية ومن تدور في فلكها؛ كما يمكن إضافة الحاقدين على التجربة: متحزبون فئويون ضيّقوا التفكير، و(كبار) الكسبة: يصر البعض على تسميتها بالمافيا المتشكلة في الإدارة الذاتية؟

5- يؤكد ما حدث بأن مناطق الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا بحاجة إلى حيز سلطة حقيقية لمؤسسات المجتمع المدني الحقيقية تمارس فيها نوعاً تكاملياً في انضاج اقتصاد مجتمعي له خطط واضحة ضمن فعاليات تعاونية تستهدف رفع مستوى المعيشة وتحقيق تنمية اقتصادية بالتركيز على المجتمع الزراعي التطوري وما يساهم في ذلك من اقتصاديات صناعية تستطيع الإدارة الذاتية أن تتحمل والانطلاق بها  كخطوات بداية؛ ومهيأة للأهداف التي وضعتها نصب عينها.

6- تؤكد الوقائع بأن أي خطوة أو قرار يتعلق بالأمن المجتمعي: الغذائي، المياه، الطاقة، التعليم….إلخ، يجب أن تتشارك باتخاذها فئات الشعب، وفي ذلك آليات يمكن الاستفادة منها وفق العقد الاجتماعي المقرر به والناظم من خلاله كافة مكونات الإدارة الذاتية القومية الاثنية والدينية الطائفية والسياسية وعموم فعاليات المجتمع المشاركة إلى اللحظة في الإدارة الذاتية، إضافة إلى وسائل يمكن اتباعها كعينات ضمن ثورة المعلوماتية المتاحة.

7- من المهم بأن الشعوب يجب ألّا تنظر إلى نفسها بأنها مجرد عوامل كابحة فقط. يجب أن يعلم شعبنا في مناطق الإدارة الذاتية بأن عليه أن يخطو خطوات مستمرة فوق التي خطاها حتى اللحظة. ولا يمكن سوى القول بأن شعب مناطق الإدارة الذاتية قدم تضحيات كبيرة حتى اللحظة لكن يجب أن يتلمس الأخطار أكثر من الإدارة الذاتية، وأن يعلم بأن الأخطار ما زالت محيطة بالإدارة التي هي جزء من الشعب ومن مصادر مختلفة أولّها تركيا الأردوغانية، وآخرها التحديات التي تنتج من حالات الحصار المفروضة على الإدارة الذاتية، إضافة إلى قضية (دويلة الهول) وربما نستطيع أن نسميها إهمال العالم وتباطؤهم في التعامل مع هذا الملف، وأمور أخرى تستخدم وتلوح على غير مجرى سفينة الإدارة الذاتية. وهذه النتائج كلها وغيرها مكن المتعلق بها ربما تتحمل أسبابها أيضاً الإدارة الذاتية. سوى وبكل الأحوال يجب أن تكون الأمور أكثر وضوحاً ومكاشفة.

من المؤكد بأن أمور ومسائل كثيرة يمكن ذكرها هنا؛ لكن النتيجة الأهم التي باتت بحكم الملموسة للجميع مفادها: بأنه في غضون شهر واحد تجاوزت الإدارة الذاتية تحديين؛ تعاملت فيهما بمسؤولية وأثبتت بأنها حل متقدم للأزمة السورية، وأهم أشكال سلطة الشعب في المناطق والأقاليم السورية، وبأن الإدارة التي لا يهابها تصحيح أية خطوة لا ترضي الشعب؛ تتحلى بهيكلية مرنة تسعى أن تتجاوز أخطائها ذاتياً وفق نظرية ثورية تأسست عليها هذه الإدارة الذاتية. وهنا بيت القصيد والتحديات التي ظهرت وتظهر ويمكن أن تظهر في المستقبل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *