أخبار ||

عن التيار ( منطلقات التأسيس- الرؤية السياسية)

منطلقات التأسيس

في خضم استمرار حالة الاستعصاء الذي تمر به العملية السياسية في سورية، بسبب التجاذبات الحادة بين القوى المتصارعة، وبعد ثماني سنوات من معاناة السوريين الإنسانية في مناطق نفوذ هذه القوى، تداعت شخصيات مستقلة من السوريين، بينهم مجموعة من الأكاديميين والقانونيين والإعلاميين والعاملين في الشأن السياسي والمدني والخدمي، آخذين على عاتقهم أهمية العمل من الداخل وعلى الأرض السورية، بدءاً من المنطقة الشرقية.

و انطلاقاً من رؤية بالعمل على الأرض، فقد ضم التيار خيرة من أصحاب الخبرات الإدارية، الذين شغلوا مناصب إدارية وسياسية عليا في سورية، في محاولة منهم لتلمس الواقع المزري لأبناء مناطقهم، تم إطلاق مبادرة سورية، باسم ” التيار العربي المستقل”، كتيار سياسي جماهيري تنموي مستقل، يبدأ بالعمل من مناطق شمال وشرق سورية، انطلاقاً من إيمانه بأن أبناء المنطقة قادرين على إيجاد صيغة توافقية و تشاركية بين مكونات المنطقة، للنهوض بواقع أبنائها الخدمي والتنموي، بدءاً من إيجاد الحلول بشكل فوري وعملي للحالة الإنسانية، التي أصبحت تهدد البنية المجتمعية السورية بالتفكك والتغيير الديمغرافي.

إنّ التيار العربي المستقل يؤمن بدولة المواطنة. وإذ يفتخر بالتنوع المجتمعي السوري بكل مكوناته من كرد، وسريان وآشوريين، وتركمان وأرمن، وشركس، وعرب، إنما ينطلق أيضاً من  الوقوف على الواقع المزري لأبناء المكون العربي في منطقة تشكل خزاناً بشرياً من الطاقات والخبرات، كما تشكل سلة الغذاء السوري، وخزان وقوده، وهو بذلك يعيد التذكير بأن التيار هو مشروع وطني سوري، يضع في أولوياته أهمية الحوار السوري السوري، متخذاً من المنطقة الشرقية لسورية نقطة ارتكاز له وانطلاق نحو كامل الجغرافيا السورية، وبدءاً من منطقة دفعت فاتورة ثقيلة بسبب الإرهاب والتطرف الذي اتخذ منها عاصمة له، وهو – أي التيار- إنما ينطلق اليوم من تخوفات أخرى تتعلق بمشاريع أقسى تقف روائها جهات مستفيدة من تثوير حالة الاحتقان التي تعمل على إعادة تدوير الإرهاب والعنف، من خلال تكريس الخطابات الشيفونية في شرق الفرات، كما الخطابات الطائفية في غربه.

اليوم مازال أبناء المنطقة من المكون العربي، يرزح قسم كبير منه تحت حالة من الفراغ والدمار و الفوضى، وغياب الخدمات، وقسم آخر في المخيمات. أما أبنائهم فمازالوا منذ سبع سنوات بدون مدارس، الأمر الذي يؤسس لجيل من الحرمان والتهميش والجهل، كثالوث يشكل رحماً حاضناً لولادات جديدة من أجيال التطرف والإرهاب.

إنّ التيار العربي المستقل، آمن منذ بداية الحراك السلمي في سورية بالتغيير الديمقراطي السلمي، ووقف – منذ الأيام الأولى- ضد فكرة تسليح هذا الحراك وتطييفه، كعاملان أسهما في تعقيد الحالة السورية.

يضع التيار العربي المستقل في  أولوياته بناء دولة المواطنة بدءاً من البعد الإنساني، والوقوف عند حاجات الناس الخدمية والتنموية، كرؤية سياسية ترى في التنمية ضرورة لتجفيف منابع التطرف والإرهاب، كرؤية لا تنطلق من ضرورة البدء بها في المنطقة الشرقية وحسب، بقدر ما تؤسس لوطن سوري موحد، يؤمن بالعيش المشترك بين جميع مكوناته، ويقوم على الديمقراطية المستدامة والإنماء المتوازن للوطن بأكمله.

يدعو التيار إلى تجاوز الرؤى الأحادية التي جعلت من الحل السياسي في سورية بلا أفق، وهي الحالة التي أفرزتها حالة الصراع الإقليمي والدولي، ووضع الآليات التنفيذية لتحقيق اختراق فعلي لحالة الاستقطاب بين رؤيتين، أحدهما تقدم” عودة اللاجئين والنازحين وإعادة الإعمار” وأخرى تقدم ” تحقيق اختراق في العملية السياسية”. وبالتالي فإن التيار العربي المستقل، ومن خلال العمل على تطبيق اللامركزية، إنما يعمل على تحقيق الرؤيتين في آنٍ معاً.

يعمل التيار على بحث الأسباب البنيوية التي أدت إلى اندلاع الصراع السوري، والاستفادة منها لتكوين صيغة سياسية قادرة قادرة على إنجاز تسوية تحقق السلام المستدام، وتحول دون عودة الصراع من جديد.

يؤكد التيار بأن الحل السياسي و بناء  الدولة السورية المستقبلية، يجب أن يتناسب والتضحيات التي قدمها الشعب السوري، كشعب جدير بتسوية لاتوقف الحرب وحسب، إنما تقيم الدولة السورية المدنية الديمقراطية المنشودة.

 الرؤية السياسية

  • سورية دولة مدنية ديمقراطية موحدة غير قابلة للتجزئة، خالية من الإرهاب ومولداته الفكرية.
  • وحدة الأراضي السورية، والإيمان بالتحول الديمقراطي، والإنماء المتوازن، والديمقراطية التشاركية المستدامة، والعدالة الاجتماعية، في إطار رؤية سياسية وفكرية، ترى أن لا حل سياسي بدون حوار سوري سوري.
  • العمل على دولة طبيعية، ودستور عصري، يقوم على مبدأ الفصل بين السلطات، و التداول السلمي للسلطة، واستقلالية القضاء. والعمل على بناء الدولة القانونية المدنية الديمقراطية التعددية، التي يخضع فيها الجميع حكاماً ومحكومين تحت سقف القانون.
  • اللامركزية هي جسم الديمقراطية التشاركية، والأخيرة روحها، وهي أسلوب عصري مطبق في غالبية دول العالم، كما تشكل اللامركزية الحماية القانونية لفكرة عدم تركيز السلطة، والضامن لمبدأ سيادة الشعب في مراحل ما بعد الصراع، بحيث يكون الفيصل بين إيجابياتها وسلبياتها الحكم الرشيد والشفاف، وممارسة الديمقراطية التشاركية بشكل واسع.
  • العمل على دستور يؤسس لعقد اجتماعي سوري يوضح بدقة علاقة المؤسسات فيما بينها، في إطار مبدأ الفصل بين السلطات، كما الاتساق مع المبادئ الأساسية، التي يتضمنها الدستور، كتلك المتعلقة باستقلالية القضاء، ومبدأ تكافؤ الفرض، والشفافية والنزاهة في التعين والانتخاب، في إطار دولة قانونية تقوم على مبدأ المواطنة.
  • التأسيس لبيئة سياسية وخدمية موازية لمتطلبات العملية السياسية والانتقال السياسي المنشود في إطار القرار 2254، الذي توافق عليه المجتمع الدولي كمسار للحل السياسي في سورية.
  • العمل على ضمان التوزيع العادل للثروات الوطنية، و مناهضة الاحتكار والاستغلال، بما يضمن تأمين حاجات الفرد والعيش بحياة حرة كريمة.
  • التركيز على الهوية الوطنية، لبناء مجتمع سوري منسجم بين جميع مكوناته، والعمل على تحديد المفاهيم الفكرية والفلسفية المشتركة، التي وحدت و توحد الثقافة المجتمعية تاريحياً للوطن السوري ، بما يضمن ممارسة حرية العقائد والثقافات الخاصة لأبناء الشعب السوري.
  • العمل على مشروع وطني جامع، وتفكيك مولدات الإرهاب والتطرف السياسية والفكرية ومواجهتها.
  • العمل على الحل السياسي استناداً للقرار 2254، من خلال عملية سياسية تشمل جميع السوريين.
  • العمل على تجفيف المشاريع الطائفية، سياسياً وفكرياً ومجتمعياً، لبناء دولة المواطنة التي تؤمن بالتنوع المجتمعي.
  • تحقيق المساواة بين الرجل والمرأة، و تثوير طاقات الشباب كضامن لمستقبل البلاد.
  • استقلالية القرار السوري، وإقامة أفضل العلاقات مع دول المنطقة والعالم، استناداً لميثاق الأمم المتحدة والمواثيق الدولية، ومبادئ وقواعد القانون الدولي، وعلى أساس التعاون المتبادل والمصالح المشتركة، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول.
  • العروبة ثقافة حضارية وسمة إنسانية جامعة عبر التاريخ، وسورية قلب هذه العروبة، والتاريخ بالنسبة للسوريين ليس مجرد حادثة حدثت في الماضي بقدر ماهو هوية و عقل جمعي، وهو – أي التاريخ- مُعطى للحاضر  ومعنى وحدس للمستقبل، وقد عايشت سورية عبر تاريخها الطويل وحدة الآلام والآمال مع هذا المحيط، كحقيقة، مقدمةً للعالم ثقافة التسامح والتعايش الذي قدم للإنسانية حضارات انطلقت من دمشق إلى الأندلس وباقي بقاع الأرض.
  • ___________________________________________________________________________________________
    •  
    • التيار العربي المستقل وشكل الدولة المستقبلية ( رؤية)
    • أوراق التيار والحل السياسي
    • الملف رقم (1)

      خيارات طبيعة النظام السياسي الأنسب لسورية ديمقراطية لامركزية تعددية

    • الكاتب: د. محمد الشاكر/ دكتوراه دولة في القانون الدولي.
    •  مقدمة يعد تصميم النظام السياسي في معرض بناء الدستور أمراً مهماً، لأنه يشكل الفيصل في توزيع الصلاحيات بين السلطات الثلاث التنفيذية والتشريعية والقضائية وتحديد العلاقة فيما بينها، بما يتيح التوازن المؤسسي فيما بينها استناداً إلى مبدأ فصل السلطات الذي يشكل حجر الأساس لتطبيق الديمقراطية اللامركزية، الأمر الذي يدفع القائمون على بناء الدستور ومناقشته إلى دراسة خيارات تصميم هذه السلطات وعلاقتها مع المركز استناداً لنوع النظام السياسي، برلمانياً كان أم رئاسياً أم شبه رئاسي. وغالباً ما يترافق السعي إلى اختيار نظام حكم ملائم مع تقييم المزايا النسبية لكل نظام استناداً للواقع والظروف العيانية لكل حالة.لا تفصح الدساتير صراحة عن النظام السياسي الذي تتبناه الدولة، إذ يُصمم كل دستور كوثيقة تعكس البنى المجتمعية والثقافة الجماهيرية والفلسفات والعقائد التي تسود المجتمع سواء في الأحوال الطبيعية، أو بما يتفق مع الظرف الخاص في معرض صراع عنيف أو في مراحل مابعد الصراع. لذلك يشكل حسم خيارات نوع النظام السياسي و شكل الدولة وهيكليتها من الموضوعات الجوهرية في بناء أي دستور ديمقراطي، وسنعرض لهذه الخيارات على الشكل التالي:أولاً- خيارات النظام الرئاسي ( أحادية السلطة التنفيذية): دستور ديمقراطي ومستوى لامركزي.

      يجمع النظام الرئاسي بين منصب رئيس الحكومة ومنصب رئيس الجمهورية، الذي ينتخب عن طريق الاقتراع العام. لذلك لا يخضع الرئيس للمساءلة السياسية أمام السلطة التشريعية، ولا يعتمد على دعم حزبه للاحتفاظ بمنصبه، ويأخذ مجلس الوزراء سلطاته عموماً من الرئيس حصرياً، وغالباً ما يكون للرئيس بعض التأثير السياسي في عملية سن القوانين. ويبدو في النظام الرئاسي الفصل الجامد بين السلطات، حيث تظهر السلطتان التشريعية والتنفيذية مؤسستين متوازيتين، ما يتيح لكل منهما مراقبة الأخرى، كما يوفر مساحة أكبر لممارسة حرية النقاش بشأن الخيارات السياسية البديلة، لأن المعارضة لا تشكل خطراً على بقاء الحكومة، أو تهدد بالدعوة لإجراء انتخابات جديدة. و يرى البعض أن في النظام الرئاسي – بشكله التقليدي- ميلاً للاستبداد، لأن الانتخابات الرئاسية ذات طبيعة تتيح للرابح الفوز بكل شيء، كما يبدو شعور رئيس الدولة بأنه يمثل الشعب الذي اختاره مباشرة، مايدفعه إلى عدم تقبل المعارضة، الأمر الذي يؤدي  في غالب الأحيان إلى إساءة استعمال السلطة واستعمال الصلاحيات التنفيذية لضمان إعادة انتخابه. إلا أن هذا النوع قد يكون ذو طبيعية تتناسب ومراحل مابعد الصراع، كونه يساعد على إيجاد حالة توافقية بين القوى المحلية المتصارعة، كما يضمن عدم تفكك البلاد.

      في الحالة السورية: يبدو النظام السياسي الحالي في سورية نظاماً رئاسياً شديد المركزية؛ فرئيس الجمهورية – استناداً  للدستور- يُنتخب مباشرة من الشعب لمدة سبع سنوات، ويحوز الكثير من الصلاحيات التشريعية والقضائية، بالإضافة لكونه يختار الحكومة دون الرجوع إلى البرلمان كأحد ميزات النظام الرئاسي.

      تبدو العملية السياسية في سورية، تنطلق من إصلاح الدستور بالاستناد إلى معايير تفترضها راهنية وصول العملية السياسية التي رسم سكتها – نظرياً – القرار 2254، الذي تضمن في مادته الرابعة  فكرة الحل السياسي انطلاقاً من ” حوكمة ذات مصداقية وغير طائفية تشمل الجميع” بين الحكومة السورية والمعارضة عبر عملية سياسية تسيرها الأمم المتحدة بقيادة سورية.

      و تبدو المادة 4 من القرار 2254 رغبة دولية بالإنطلاق في المفاوضات من واقع النظام الرئاسي – على أقل تقدير في مرحلة الصراع-  وإيلاء الأهمية أكثر لإصلاح المؤسسات الدستورية وممارستها، بما يحول دون تفكك البلاد وانهيار الدولة السورية بشكل كلي.

      لايمكن التعميم بالقول بشمولية واستبداد النظام الرئاسي إذا ما أحسن القائمون على عملية بناء الدستور وإصلاح المؤسسات تطبيقه كنموذج عالمي، وكأحد نماذج الأنظمة السياسية الديمقراطية. ولعل النظام السياسي الأمريكي أمضى دليل على ذلك؛ فهو نظام رئاسي يمتلك فيه الرئيس صلاحيات واسعة في دولة فيدرالية تمارس كل ولاية فيها ديمقراطية لامركزية واسعة، من خلال إعطاء المؤسسات الدستورية الثلاثة للشعب الذي يمارسها في مناطقة مع الإبقاء على علاقة متوازنه مع السلطتين التشريعية والقضائية، وفي إطار علاقة فعالة مع المركز .

      من هذه النقطة بالذات، يمكن القول: أنه لامشكلة تثار بشأن شكل الدولة وشكل النظام السياسي، عندما تكون هذه الممارسة في إطار ديمقراطية تشاركية للسلطات الثلاث التنفيذية والتشريعية والقضائية، بحيث تتشكل هذه السلطات كنتيجة لدستور وحكم ديمقراطيين، في الوقت الذي تُطبق فيه الديمقراطية اللامركزية كمستوى لهذا الحكم الديمقراطي في الولايات أو المناطق.

      إن تطبيق النظام الرئاسي كنموذج ديمقراطي عالمي يبدأ من إزالة تركيز السلطة بيد الرئيس بشكل أفقي عن طريق فكرة السلطة التنفيذية الجماعية، التي تقوم على رئيس، ونائب أول للرئيس، ونائب رئيس، أو عن طريق تحديد مدة ولاية الرئيس دستورياً، أو إزالة تركيز هذه السلطة بشكل عمودي بإنشاء مستويات إضافية للحكم في المناطق من خلال الديمقراطية اللامركزية.

      يعزز ذلك، إن الظروف العيانية للعملية السياسية في سورية، كأحد مرتكزات بناء الدستور، لا تشير على المدى المنظور، أية تغيرات فعلية في مؤسسة الرئاسة. وبالتالي قد يوفر النظام الرئاسي مع ديمقراطية لامركزية عميقة وجوهرية، حلاً لإشكالية تركيز السلطة في المركز، كما يساهم إلى عدم تفكك البلاد بحيث تتحول مناطق النفوذ للقوى المسيطرة على الأرض إلى الاستفادة من واقعها القائم على تحقيق المصالح الذاتية والإبقاء على عمليات التهجير الحاصلة على الأرض السورية.

      وفي النظام الرئاسي، يتمثل التحدي الرئيس أمام تصميم سلطة تنفيذية قوية يتعذر تحولها إلى حكم فردي أو غير ديمقراطي. وذلك عن طريق إخضاع السلطة التنفيذية لدرجة كبيرة من الإشراف القضائي، وعدم إفساح المجال من وجود تواطؤ، أو علاقات قوية بين قضاة المحكمة الأعلى والسلطة التنفيذية.

      ولتحقيق ذلك، تبدو خاصتي الرقابة والتوازن مهمتان في الحد من استبداد أو تعسف أية سلطة من خلال ضوابط دستورية مايتعلق بالصلاحيات الواسعة لسلطة الرئيس في اقتراح القوانين على السلطة التشريعية، بحيث تنحصر سلطته  في الاعتراض فقط، وإعطاء المحكمة الدستورية سلطة مراقبة دستورية القوانين، ومراقبتها  لأعمال  السلطتين التشريعية والتنفيذية، ما يحقق  نوعاً من التعاون والتفاعل والتوازن بين السلطات الثلاث.

      إن هذه الضمانات تهدف إلى إحداث نوع من التوازن والرقابة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية. بالمقابل لا يحق للسلطة التشريعية إقالة الرئيس، ولا الرئيس يحق له حل البرلمان، كون السلطتين منتخبتين من الشعب، وبالتالي لهما نفس القوة ونفس الشرعية. وبهذه الطريقة يتكون نوعاً من نظام الضوابط أو الكوابح الذي يمنع دون تغول سلطة على أخرى، بما في ذلك سلطة الرئيس.

      لايمكن الجزم مسبقاً بالنظام السياسي الأنسب فلكل حالة ظروفها وتوافقاتها، وفي إطار فقه القانون العام جميع أشكال النظام السياسي قد تكون ديمقراطية وقد تكون استبدادية، وكل ما في الأمر أن الموضوع يتعلق بالقدرة على الاتفاق على دستور يضمن امتلاك الشعب لمؤسساته واختيارها في إطار الممارسة الديمقراطية ، كما أن طبيعة النظام السياسي غالباً تحددها ببنية وثقافة المجتمع الذي يناسبه شكل الحكم، الذي يعد مفرزاً لهذه البنى والثقافات، وعلى هذا الأساس يتحدد شكل النظام السياسي في الحالة السورية على أهمية التصميم المؤسسي للسلطات الثلاث وآليات ممارستها ديمقراطياً من خلال مجموعة من الحلول، وفي مقدمتها فهم ماهية اللامركزية وتلازمها مع الديمقراطية وعلاقتها مع المركز ، والعمل على إزالة تركيز السلطة التنفيذية، كغاية نهائية وجوهرية.

      و ربما يحتاج واضعو الدستور السوري في معرض اختيار النظام السياسي الأنسب إلى توزيع الصلاحيات والاختصاصات بين المؤسسات الدستوربة الثلاث، فالسلطة التنفيذية قد توزع بطريقتين: إما بشكل عمودي، و ذلك بوضع مستويات إضافية من الحكم عبر اللامركزية في المناطق.  أو بشكل أفقي عن طريق السلطة التنفيذية الجماعية التي تضم عدة فاعلين في مؤسسة الرئاسة، بحيث تتكون من رئيس ونائب أول للرئيس ونائب رئيس، أو بتحديد الفترة الرئاسية بضمانات دستورية في إطار المعايير الدولية للدساتير. أما بالنسبة للسلطة التشريعية فقد يساعد انتخاب المجالس التمثيلة في المناطق، أو انتخاب ممثلين عن هذه المناطق في حال الاتفاق على تشكيل مجلس ثاني إلى جانب البرلمان.

      وبالتالي يمكن لهكذا آليات أن تقدم نظاماً رئاسياً ديمقراطياً تُمارس فيه الديمقراطية اللامركزية، بما يتناسب وتداعيات الصراع العنيف في سورية، كما يقدم حلولاً لمعضلات الصراع من إعادة إعمار وعودة النازحين واللاجئين دون الخوف من أية سلطة مركزية تهددهم، و دون أن يتخلى المركز أيضاً عن سلطاته فيما يتعلق بشؤون وحدة البلاد وسلامة التراب والسيادة.

       

      ثانياً- خيارات النظام البرلماني ( ثنائية السلطة التنفيذية): يبدو من الصعوبة بمكان ولادة نظام برلماني ديمقراطي في سورية على المدى المنظور، فإذا كان هذا النوع من الناحية الأكاديمية الأنسب لمراحل ما بعد الصراع، إلا أنه يحتاج للاستقرار والوصول إلى السلام المستدام،  كما يحتاج لتبلور أكثر للممارسة الديمقراطية التي مازالت متأخرة في الثقافة االحزبية السورية بسبب الانقسامات الحادة بين السوريين، وعدم وجود أحزاب سياسية ديمقراطية برصيد جماهيري، وهو مالا يمكن توافره في مرحلة التوافق وبناء الدستور. وعليه يصبح التركيز على المسائل التقنية من خلال تصميم السلطتين التشريعية والقضائية والقضائية في إطار الديمقراطية اللامركزية، التي يضطلع بها التقنيين و الخبراء، أولوية تتقدم تحديد النظام السياسي  [1]سواء رئاسياً أو برلمانياً أو شبه رئاسي .

      ينتخب رئيس الحكومة في النظام البرلماني بواسطة السلطة التشريعية، ويخضع للمساءلة أمام البرلمان، وتتبع السلطة التنفيذية هرمياً للسلطة التشريعية. وبالتالي يعتمد منشؤها وبقاؤها عليها، أما رئيس الجمهورية فلا يؤدي إلا وظائف اسمية. ويفسح النظام البرلماني المجال لتشكيل حكومة واسعة النطاق وشاملة ، ويتمتع أيضاً بمرونة يمكن من خلالها إقالة رئيس الحكومة في أي وقت، إذا لم ينجح ببرنامج سياسي يعكس إرادة الأغلبية.

      في الحالة السورية – على المدى المنظور- لا يمكن أيضاً القول بإنتاج رئيس جمهورية بوظائف اسمية أو شرفية كأحد أهم ميزات النظام البرلماني، وقد تستغرق العملية حسب الظروف العيانية سنوات. بالمقابل لا يمكن إنتاج حكومة بأغلبية نيابية لتتمكن من ممارسة عملها بسبب عدم وجود أحزاب فاعلة في سورية قادرة على الوصول إلى البرلمان، وبذلك لا يمكن إنتاج سلطة تشريعية قادرة على تحقيق أهم خصائص النظام البرلماني، وهي تبعية السلطة التنفيذية للسلطة التشريعية، وبالتالي عدم وجود بيئة حاضنة لإنتاج سلطة تشريعية فعلية عبر الانتخابات.

      ومن سلبيات النظام البرلماني عدم الاستقرار، إذ تنهار الحكومة بفعل تصويت الأغلبية، وقد تواجه الحكومات الائتلافية على وجه الخصوص صعوبة في الاحتفاظ بمجالس وزراء قادرة على الاستمرار. وفي الحالة السورية ولأسباب تاريخية مازالت سورية بدون أحزاب فاعلة، كما أن المعارضة مازالت لا تملك أحزاب فاعلة على الأرض أو تمتلك رصيداً يؤهلها تشكيل حكومة ائتلافية. وهي وإن تشكلت فإنها ستكون في إطار ديمقراطية تمثيلة لاتعترف إلا بالأكثرية التي تحوز مقاعد البرلمان لتشكل الحكومة، وهو النموذج الذي لايتناسب البتة وفكرة الديمقراطية اللامركزية التي تقوم على التشاركية.

      ثالثاً- خيارات النظام شبه الرئاسي: ( النظام المختلط): ازداد في العقدين الأخيرين نموذج أكثر توازناً من السلطة التنفيذية المزدوجة، بما يعرف بـ ” النظام شبه الرئاسي”، وفيه تنقسم السلطة التنفيذية إلى مؤسستين تنالان الشرعية بشكل مستقل ومتمايزتين دستورياً، بحيث يكون كل من رئيس الدولة ورئيس الحكومة شريكين في الحكم، ويكون فيه رئيس حكومة يُختار مباشرة من الأغلبية في البرلمان ويكون مسؤول أمامها ويمكنها محاسبته وعزله، ورئيس دولة ينتخب من الشعب.

      وكلما كان الرئيس يتمتع بمساندة الأغلبية البرلمانية فإن موقف الحكومة سيكون قوياً لأنه هو من يعينها،  وبذلك يكتسب قوة كبيرة تتجاوز أحيانا سلطة الرئيس في النظام الرئاسي.

      في الحالة السورية، قد يصعب الركون إلى النظام شبه الرئاسي، لأن من أهم ميزاته أنه يحتاج إلى حالة من الانسجام بين رئيس الدولة ورئيس الحكومة لتحقيق الاستقرار في البلاد، وهو ما لا يمكن تحققه في الحالة السورية خلال فترة التوافق أو المراحل الانتقالية؛ وبالتالي الشلل والتعطيل، خصوصاً عندما يكون رئيس الوزراء ينتمي لحرب معارض لسياسة رئيس الدولة، الأمر الذي قد يعيد البلاد إلى عدم الاستقرار من جديد.

      وفي هذه الحالة قد تصبح الوظيفة الأساسية للحكومة مساعدة الرئاسة في تنفيذ سياساتها، فيقع على عاتق الرئيس في نهاية المطاف اتخاذ القرارات المتعلقة بجميع القضايا السياسية الهامة ( أعمال السيادة)، بينما تكون الحكومة السلطة التنفيذية العليا والجهاز الإداري للدولة بيد رئيس الوزراء. ويفصل القضاء الإداري ممثلاً بمجلس الدولة في حدود وصلاحيات كل سلطة بما يعرف بنظرية الأعمال المنفصلة أو نظرية أعمال السيادة.

      يحتوي النظام شبه الرئاسي على هيئتين تنفيذيتين، لأنه يجمع بعلاقة تبادلية بين السلطة التنفيذية والهيئة التشريعية مع علاقة تسلسل هرمي. فالنظام شبه الرئاسي يأخذ من النظام الرئاسي مؤسسة الرئاسة، ويأخذ من النظام البرلماني مؤسسة الحكومة، وتنتخب المؤسستان من الشعب إذ ينتخب رئيس الدولة من الشعب مباشرة، ورئيس الحكومة يُختار بدعم من الأغلبية في  البرلمان.

      ويتيح هذا النظام قدراً من مشاركة السلطة بين القوى المعارضة، ويمكن لأحد الأحزاب أن يشغل منصب الرئاسة، بيمنا يشغل الحزب الآخر منصب رئاسة الوزراء، وهكذا يشترك الطرفان في النظام المؤسسي. إلا أنه يتميز بالجمود السياسي، بسبب احتمال اندلاع نزاع داخل السلطة التنفيذية بين الرئيس ورئيس الوزراء، لاسيما في فترات التعايش عندما يكونان منتميين لحزبين مختلفين. ففي حالة التعايش يمكن لأي منهما الزعم شرعاً بامتلاك صلاحية التحدث باسم الشعب، تماماً كما يفعل الرئيس في النظام الرئاسي.

      في الحالة السورية، يبدو اختيار النظام شبه الرئاسي معرضاً للكثير من الهزات التي قد تؤدي إلى عودة النزاع، لاسيما فيما يتعلق بعدم القدرة على تشكيل أغلبية داخل البرلمان على المدى المنظور، حتى في حال إجراء انتخابات نيابية، وهذه الأخيرة ستكون عرضة أيضاً لتأثير السلطة التنفيذية القائمة. عدا صعوبة وجود  تعددية فعلية للأحزاب السياسية في سورية على المدى المنظور، بسبب عدم وجود أحزاب معارضة تاريخية أو تمتلك رصيداً شعبياً، إذ مازالت ثقافة السوريين تنظر إلى النظام والمعارضة كوجهين لعملة واحدة. لذلك تبدو خاصية الجمود السياسي أكثر عرضة لاندلاع خلافات بين مؤسسة الرئاسة ومؤسسة الحكومة. ويعد تحديد الفترة الرئاسية عاملاً جوهرياً في نزع تركيز السلطة التنفيذية بيد فرد واحد بتحديد مدة ولاية الرئيس دستورياً، و من أهم آليات عملية التحول الديمقراطي في الأنظمة الاستبدادية أو الديمقراطيات الحديثة. وتساعد عملية تحديد الفترة الرئاسية في الحيلولة دون انتخاب رئيس السلطة التنفيذية إلى أجل غير مسمى.

      خاتمة

      لايشكل نوع النظام السياسي أهمية حاسمة في الوصول إلى ديمقراطية لامركزية تمارس سلطاتها في المناطق، إذ يمكن تطبيق هذه اللامركزية مع أي نظام سياسي، لأن العامل الحاسم في ذلك هو تطبيق الديمقراطية بمفهومها المعاصر الذي نجح في الكثير من التجارب التاريخية تجاوز حالة الصراع وصناعة السلام المستدام.

      وعليه؛ ليس من الضروري الاختيار بين نموذج وآخر، فالأمر لا يتعلق  بالاختيار مسبقاً بين النظام البرلماني أو الرئاسي أو المختلط، بل بالبحث عن نظام يناسب الظروف العيانية من خلال عملية دينامية تدريجية، تبدأ بالركون لاستراتيجيات ماهو قائم من استراتيجيات إقليمية ودولية، والقدرة على جعل هذه التوازنات في إطار الهدف النهائي وهو الديمقراطية كنظام حكم واللامركزية كمستوى حكم ديمقراطي في المناطق، وفي إطار عملية  تحفظ وحدة البلاد، وقادرة على بناء دستور يحقق ديمقراطية وسلام مستدامين.

      إنّ التركيز على اللامركزية هو المقدمة لتصميم مؤسسي يعكس التفاعل بين مؤسسات الحكم ضمن شكل النظام السياسي أياً كان شكله، كما يعكس شكل العلاقة بين المؤسسات ذاتها، من خلال إيلاء الأهمية أكثر للأدوات الدستورية، التي يمكنها تذليل الكثير من الصعوبات في الطريق إلى صناعة السلام، وذلك من خلال عملية بناء الدستور والتطرق لعمق اللامركزية.

      وفي الحالة السورية، قد تبدو هذه القضايا أقرب إلى المنال (أي إصلاح المؤسسات في إطار الديمقراطية اللامركزية) كونها مقدمة لإحداث ثغرة فعلية في العملية السياسية ، بالاستناد إلى مايملكه الطرفان من آليات يدعي كل منهما القبول بها وصولاً للحل، وبالتالي الانطلاق مما هومتفق عليه بين الطرفين أولاً، وهو القرار 2254 الذي تضمن في المادة 4 ” عملية سياسية تؤسس لحوكمة ذات مصداقية وغير طائفية تشمل الجميع.

      إن عملية تحديد طبيعة النظام السياسي الأنسب مازالت مرهونة بديناميات التفاوض وبناء الدستور. وبذلك تتراجع فكرة النظر بنظام سياسي جديد في مرحلة النزاع وصناعة التوافق لصالح النظام السياسي القائم، بسبب واقعية الظروف العيانية المائلة في العملية السياسية السورية، والغياب التام لدور المعارضة الرسمية في صياغة مشروع ديمقراطي.

      وعليه يصبح التركيز على إصلاح وتصميم السلطات الثلاث التشريعية والقضائية أولوية تتقدم تحديد نظام حكم جديد  سواء برلماني أو شبه رئاسي. فالأولوية اليوم التي تفرضها حالة الصراع، تعطي الأولوية لتشتيت مركزية السلطة، وتصميمها بطريقة تحول دون الحكم الفردي، أو غير الديمقراطي، وذلك عن طريق إخضاع السلطة التنفيذية لدرجة كبيرة من الإشراف القضائي، وعدم إفساح المجال من وجود تواطؤ، أو علاقات قوية بين أعضاء المحكمة الدستورية والسلطة التنفيذية، لأن إجراءات التعيين تكون بيد الأخيرة.

      بذلك يصبح اختيار شكل النظام السياسي محكوماً بتجاذبات الصراع السوري خارجياً ومحلياً، الأمر الذي يدفع للبدء مما هو قائم. وذلك بالاتفاق على دستور قادر على إحداث توازن بين جميع هذه المعطيات العيانية وبين القدرة على عدم تركيز السلطة وتشتيتها ديمقراطياً عن طريق النظر في عمق اللامركزية، وفي إطار الهدف النهائي لهذه العملية، بما يحفظ وحدة البلاد، والتركيز على تصميم مؤسسات الحكم الأساسية، بما يعكس التفاعل بين هذه المؤسسات داخل النظام السياسي أياً كان شكله، وشكل العلاقة بين المؤسسات ذاتها من خلال إيلاء الأهمية أكثر للأدوات الدستورية، التي يمكنها تذليل الكثير من الصعوبات في الطريق إلى صناعة السلام ، كتلك التي تتعلق بالمبادئ العامة، واستقلال القضاء، وإحداث المحكمة الدستورية، ومجلس القضاء الأعلى، ومجلس الدولة، والتطرق لعمق اللامركزية، كمعادل موضوعي، وشكل من أشكال نزع صلاحيات الحكم وعدم تركيزه في السلطة المركزية.

      [1]

    • المبادئ العامة والدستور السوري المنشود: جدلية العلاقة بين الحقوق والقوانين.
    • الكاتب د. محمد الشاكر/ دكتوراه دولة في القانون الدولي.
    • مقدمةلا يمكن الحديث عن المبادئ العامة للدستور السوري المنشود، دون المرور بالمحددات الأساسية لآليات بناء الدولة السورية، التي تبدأ من عملية بناء الدستور، الذي أصبحت محدداته مرتبطة – نتيجة للصراع الدامي- بواقع تدويل الصراع، ما يجعل من إشكالية صوغ الدستور –بوصفه مهمة وطنية- تجنح نحو عملية تتداخل فيها الفواعل الخارجية، من جهة، والتحولات القسرية التي طرأت على بنية الدولة السورية سياسيًا ومجتمعيًا، واقتصادياً، من جهة أخرى، والأهم من ذلك هو تاريخية الهيمنة السياسية والأمنية للنظام السوري، الذي غيّب فكرة المعارضة. إذ مازال الطرفان لا يحيدان عن فكرة ” كل شيء أو لا شيء”، ما يعني تباعداً سياسياً حاداً، قد يراكم صعوبات أخرى على عملية التسوية، الأمر الذي تحتاج معه العملية السياسية إلى عمليات دينامية تدريجية، قد يكون تكون عمليات الدستور أحد فواعلها.أولاً- فكرة الدستور والحالة السورية في إطار القرار 2254:

      صدر القرار 2254/ ديسمبر 2015، كصيغة توافقية بين بيان جنيف وبياني فيينا، ولخلق حالة من من التوازن بين القوى المتصارعة. فنصت 4 من القرار دعم ” حكم يشمل الجميع” على افتراض مؤداه حل إشكالية التجاذب الحاد في العملية السياسية بين القوى المحلية من جهة والقوى الدولية والاقليمية من جهة أخرى.

      وبناءً عليه، يمكننا أن نحدد أربعة مراحل من عمر العملية الساسية وصولاً للدستور الجديد،  بدءً من التوافق على التسوية السياسية، فالاتفاق على المبادئ العامة للدستور الجديد، التي تؤسس لاحقاً لصياغة دستور دائم، يؤسس لسلام مستدام.

      المرحلة الأولى-  التوافق على التسوية السياسية: بوصفه مصطلحًا دبلوماسيًا يستند إلى آليات تجنب الحرب، من خلال التفاوض، الذي يفترض تقديم كل طرف بعض التنازلات إلى الطرف الآخر. وتسوّى الخلافات بين الأطراف من خلال ضمانات يُعترَف بها على الصعيد الدولي. ومن ثَم فإن التسوية السياسية تهدف إلى تفاوض عقلاني، يؤدي إلى تجنب اللجوء إلى الصراع المسلح، أو العودة إليه.

      -المرحلة الثانية: الاتفاق على المبادئ العامة: و تشكل المبادئ العامة الفيصل بين أطراف التسوية السياسية. وهذا يفترض-  أولاً –  دراسة متعمة للأسباب التي أدت إلى نشوب الصراع، و الاتفاق على المبادئ العامة لدستور جديد، يتضمن القواعد التي يتأسس عليها بناء دولة طبيعية، وبالتالي كتابة أو إصلاح أومناقشة الدستور، بما يضمن الوصول إلى سلام مستدام، يحول دون وقوع الأجيال القادمة في هزة عنيفة أخرى.

      -المرحلة الثالثة:  صياغة دستور جديد: يجرى الاستفتاء من قبل الشعب، بدءً من الاستفتاء على مشروعية واضعي الدستور، لأن غالبية الدساتير في مراحل مابعد الصراع تكون مفتقرة لهيئة منتخبة، و علية تشكل هذه المرحلة، المدماك لبدء نضوج واستدامة العملية السياسية، كون الدستور الجديد يشكل رابط التوفيق بين أطراف التسوية، والمأمول منه لأن يكون الضامن النهائي لصوغ العقد الاجتماعي المنشئ للدولة السورية،  من خلال دستور دائم يؤسس لسلام مستدام، يتحدد فيه شكل النظام السياسي، أي اختيار نظام الحكم الأمثل، سواء أكان نظاماً رئاسيًا، أم نظاماً برلمانيًا، أم نظاماً مختلطًا (شبه رئاسي)، أم مجلسيًا. وشكل النظام الانتخابي الذي يعد من أهم أركان عملية الانتقال الديمقراطي، ويحدد آلية تداول السلطة، سواء أجَرى بطريقة نظام التمثيل النسبي أو نظام الاغلبية، ويتضمن هذا المسار جميع المسائل المتعلقة بضمان انتخابات حرة ونزيهة.

      ثانياً-  فكرة الحقوق في المبادئ العامة للدستور:

      1-            تضمين الحقوق الطبيعية في الدستور: وهي التي يتضمنها الدستور و تعطى للفرد كونه إنسان وتولد معه، كتلك المتعلقة ( بحق الحياة، والحق في الحرية، وحق المساواة، وحق الكرامة، وحق التملك، والحق في الإجراءات القانونية المنصفة). وهي حقوق مافوق العقد الاجتماعي وما قبل الدولة، وغير منشأة من قبل السلطة. وبالتالي لايحق لأية سلطة المس بها أو حرمان الفرد منها، كونها غير ممنوحة من السلطة وقبل السلطة ذاتها. والحقوق الطبيعية ترتبط بفكرة  الحق الدستوري المكتسب، أي عدم خضوعها لخاصية التغيير لأنها تتعلق بحقوق الإنسان، وبالتالي فواجب الدولة أن تحترمها وتحميها كشرط للديمقراطية.

      من هذه النقطة بالذات، يمكننا التفريق بين المبادئ فوق الدستورية ( الحقوق الطبيعية  ). التي يُنص عليها في مقدمة الدستور أو الديباجة، وبين المبادئ العامة التي يتضمنها متن الدستور، وتكون قابلة للتصرف والتبديل، ومرهونة بتغير وتبدل النظام العام والفلسفة السياسية في الدولة، وهذه غالباً ماتكون نتيجة العقد الاجتماعي في ظروف وفترة زمنية معينة.

      2-            تضمين الحقوق الشخصية في الدستور: الحقوق الشخصية هي التي تكتسب في إطار كون الفرد شخصاً له حقوق وعليه واجبات، فالشخص لغوياً وفلسفياً، هو الكائن الذي لديه قدرات أو صفات معينة مثل العقل والأخلاق، والوعي  وكونه يشكل جزءًا من العلاقات الاجتماعية( كالموظف)، وبالتالي فهو بحاجة إلى حقوق دستورية، يقابلها وواجبات.

      3- فكرة الحقوق القانونية في الدستور: لاتملك جميع الأنظمة القانونية مفهوم الحقوق المتعارف عليه في الأنظمة القانونية الحديثة، حتى أننا قد لانجد مشرعين قادرين على تطبيق فكرة الحق القانوني، كما قد نواجه قضاة قد يتجاهلون فكرة الحقوق، وربما تغيب ثقافة الحقوق بين الأفراد في علاقاتهم فيما بينهم، أو في علاقتهم مع سلطاتهم. لذلك غالباً ما يُجرى النص على هذه الحقوق في ديباجة الدستور، وبمجرد النص عليها في الدستور تصبح ” حقوقاً قانونية”، تنظم العلاقة سواء بين المواطن والدولة، أو بين المواطنين أنفسهم. ولهذا نجد  أن غالبية الدساتير في الدول الاستبدادية لاتركزعلى الحقوق، فلا توفر الأنظمة القانونية إنشاؤها أو الاعتراف بها.

      ثالثاً- القوانين الأساسية ومبدأ فصل السلطات في الدستور:

      تتأسس الدساتير على مبدأ فصل السلطات، استناداً لقاعدة أساسية وضعها مونسيكيو في كتابه روح القوانين، منتصف القرن الثامن 1748 تقول: ” السلطة جموح ولايحد السلطة إلا السلطة”. ومن هذه العبارة بالذات خرج مبدأ الفصل بين السلطات بمفهومة المعاصر، الذي يقوم على مبادِئ الديمقراطية و نموذج للحكم الديمقراطي الذي يتأسس على التمثيل الشعبي عبر انتخابات حرة ونزيهة. وذلك بتحديد العلاقة بين السلطة التشريعية والتنفيذية استناداً لمبدأ الفصل الوظيفي، بأن تمارس كل سلطة من السلطات الثلاث صلاحيات أو مهمات داخل السلطة الأخرى على سبيل الاستقلال، بما يضمن التعاون والتوازن فيما بينها، وكنوع من الضبط، أومايسمى بـ ” نظام الكوابح”.

      وعليه؛ لا تتدخل السلطة التشريعية ذاتها في القوانين الأساسية، بينما تكون من صلاحيات سلطات أخرى تعديلها وإقراراها، فلا يجوز لها – أي السلطة التشريعية- أن تعدل أحكامها بالقوانين العادية التي تصدرها، على اعتبار مفاده أنّ القوانين الأساسية هي القوانين التي تنظم  مؤسسات الدولة الرئيسية، والعلاقات بين السلطات في الدولة، استناداً لمبدأ فصل السلطات الوظيفي بين السلطات.

      وقد يكون البعض من القوانين الأساسية لحماية الحقوق المدنية والحقوق الطبيعية. ولهذا تأخذ مرتبة نصوص الدستور، أي أنها تتمتع بنفس المرتبة القانونية التي تحتلها مواد الدستور الذي يحدد عملها.

      وعلى هذا الأساس؛ تنص الدساتير ( خصوصاً في مراحل مابعد الصراع أو الثورات) على إحداث القوانين الأساسية، التي تتعلق بالمؤسسات الرئيسية المعنية بحماية حقوق الأفراد وحرياتهم العامة، وضمان سير عمل المؤسسات الدستورية، وفي مقدمتها:

      1- إنشاء المجلس الدستوري بموجب الدستور: ويجري النص عليه في الدستور في باب خاص مستقل عن السلطة القضائية، ويحدد في الدستور القانون الأساسي الذي ينظم عمله واستقلاليته، وتحدد مهامه في الدستور الإجراءات والمهام التالية:

      –              مهمته الرئيسية في الرقابة على دستورية القوانين، وعمليات الاستفتاء، والانتخاب الرئاسية و التشريعية، والنظر في الطعون بشأنها.

      –              طريقة تعيين أعضاء المجلس الدستوري، بطريقة تشاركية بين السلطات الثلاث يُجرى الاتفاق عليها، فلا تتفرد سلطة بالتعين، ويفضل أن يجري تبديل ثلث أعضاءه كل ثلاث سنوات.

      –              يجب أن لايقل عدد أعضاء المجلس الدستوري عن تسعة، وأن تكون مدة ولاية أعضاء المجلس الدستوري أطول مدة ولاية رئيس البلاد.

      –              يطلع المجلس الدستوري على المراسيم ومشاريع القوانين قبل إصدارها من رئيس الجمهورية، وقبل الاستفتاء عليها.

      –              للمجلس الدستوري سلطة التدخل في عمل الجهات القضائية، إذا ثبت أن هناك نص تشريعي يتعارض والحقوق والحريات التي كفلها الدستور، بناء على طلب مجلس الدولة.

      –              تعد قرارات المجلس الدستوري غير قابلة للطعن، وملزمة لجميع السلطات في الدولة.

      2- إنشاء مجلس الدولة بموجب الدستور: يُعد مجلس الدولة أحد أعمدة السلطة القضائية، والذي يختصّ بالفصل في النزاعات التي تحدث بين الجهات الحاكمة والأفراد ضمن نطاق الدولة، حيث يقوم المجلس بإلغاء القرارات التي تصدر من قبل الحكومة كلما أساءت استعمال السلطة، أوخالفت مبدأ المشروعية، والعمل على التعويض للأفراد عن ذلك.

      ويعد مجلس الدولة الضامن للدولة القانونية  والمعني بالدفاع عن حقوق الأفراد وحرياتهم العامة، وصاحب السلطة في ضمان مبدأ  المشروعية ( تسلسل القواعد القانونية)، ولايتوقف دور مجلس الدولة عند إخضاع السلطة للقانون بمعناه الضيق فحسب، وإنما إخضاعها لكل قاعدة قانونية أياً كان مصدرها، ومراقبة مفهوم السلطة الاستنسابية للإدارة، كونها ليست حقاً وإنما هي أحد إمكانيات القائم عليها، التي لايجوزلع التصرف بها إلا في حدود المصلحة العامة.

      3-إنشاء مجلس القضاء الأعلى: و يتعلق بإدارة كافة شؤونن القضاء والقضاة، ويتم تشكلية عادة بين السلطات الثلاث، ويختص القسم المعني بالولاية القضائية بتعيين القضاة، بينما يقوم القسم المختص بالنيابة بإعطاء الرأي بتعيين القضاء، بالإضافة إلى اختصاصه بتأديب القضاة ومحاسبتهم.

      3-            إنشاء المجلس الاقتصادي والاجتماعي: ويبدي رأيه في مشروعات القوانيين المعنية بالمسائل الاقتصادية والاجتماعية والبيئية، ويكون عدد أعضاؤه أكثر من مئة خبير ومختص اقتصادي واجتماعي.

      خاتمة.

      يشير تتبع الوقائع التاريخية، أن الدول الخارجة من صراع عنيف أو ثورات تحتاج قبل غيرها إلى تدوين المبادئ العامة في دستورها، الحقوقية والقانونية، لتصبح حقوقاً قانونية تشترشد بها السلطات الثلاث في اختصاصاتها وصلاحياتها، وصولاً لبناء الدولة القانونية التي ينص دستورها على حقوق الإنسان، والتي يخضع فيها الجميع –حكاماً ومحكومين- تحت سقف القانون. فليس كل ” دولة قانون” هي ” الدولة القانونية، التي”  تتضمن في دستورها” الحقوق القانونية”، كما أنّ وجود حكومة ديمقراطية لايعني بالضرورة وجود دولة ديموقراطية أو مجتمع ديمقراطي. وقد يتبادر للذهن أن مهمة الخروج بدستور سوري عصري هي مهمة صعبة، بسبب الكثير من المعوقات والمشكلات التي عصفت وتعصف بالدولة السورية، إلا أن تاريخ الثورات والهزات العنيفة ينبأنا بأن المشكلات الكبيرة هي الفرصة الأنسب للحلول الكبيرة.

    • الدسترة: ديناميات بناء الدستور في مراحل ما بعد الصراع
    • الكاتب: د. محمد خالد الشاكر / دكتوراه دولة في الدولي.
  • مقدمة

    تمثل الدساتير عقداً اجتماعياً يعمل على قصر استخدام الحكومة للسلطة. و يعني مصطلح الدستورية فكرة السلطة المحدودة. وتزداد صعوبة صياغة الدساتير في مراحل الصراع، إذ يعول عليها بأن تكون المدخل للسلام والديمقراطية، لاسيما في عصرنا الحالي حيث تنتشر مبادئ الحكم الرشيد في العالم، بحيث أصبحت صياغة الدساتير تستغرق وقتاً أقصر بسبب الأدوار التي تلعبها المنظمات الدولية، التي ساعدت في مراحل كثيرة في تخفيف حدة الصراع وبالتالي تعزيز الحوار بشأن القيم المشتركة، مثل حقوق الإنسان وسيادة القانون والحرية والدستورية والعدالة والشفافية والمساءلة، كعناصر تعتبر المدماك الذي يتأسس عليه أي نظام دستوري عصري.

    وعلى هذا الأساس، لم يعد أي تبرير لتجاهل قضايا حقوق الإنسان ضمن الدساتير ، وضمان استقلال القضاء، وانضواء قوات الأمن والجيش تحت مظلة الحكم الديمقراطي المدني، وضمان ممارسة كل مواطن لحق التصويت بحرية. وعليه فإن أي تجاهل أو اتفاق سطحي مع هذه المبادئ، ستكون له تداعيات خطيرة ومرسومة سلفاً على صياغة الدستور. لذلك يجب الأخذ بعين الاعتبار الاتجاهات العالمية السائدة، والتحرك نحو الدستورية والديمقراطية ذات الصبغة العالمية.

    لقد شهدت العديد من بلدان العالم بعد نهاية الحرب الباردة إعادة تشكيل نظمها الدستورية عبر مراحل عمليات بناء الدستور، وفي أعقاب الانتفاضات التي عصفت في الدول العربية، ظهرت الحاجة لبناء الدساتير أكثر فأكثر، وذلك للنهوض بدور محوري في وقف الصراع وإقامة الديمقراطية.

    تبنى الدساتير في سياق تحولات سياسية ترتبط بهدفين، أحدهما تنفيذ عملية السلام وثانيهما بناء الدولة، وهذا يستلزم ليس الحاجة إلى التركيز على آليات الحكم وحسب، بقدر ما يحتاج أيضاً  المشاركة والتوزيع العادل للموارد الاقتصادية، بما يؤمن ديمقراطية مستدامة، تندرج في إطار عمليات بناء الدستور التي قد تتجاوز الفترة الزمنية التي يكتب فيها الدستور بشكل فعلي.

    يعرف بناء الدساتير في مراحل ما بعد الصراع، بأنه عملية طويلة، فهو ليس بحدث، كما هو الحال في صياغة الدساتير. ولتقريب ما نريد قوله يمكننا اختصار عملية بناء الدستور في النقاط التالية:

    – الاتفاق على إجراء تغيير دستوري أشمل وأعمق بما يؤمن تحولاً تاريخياً.

    – بموجب المبادئ العالمية ذات الصلة، يتم تأسيس المؤسسات والإجراءات والقواعد التي يقوم عليها وضع الدستور أو صياغة دستور شامل وتشاركي، وهذا ما يستلزم تدابير مؤقتة تؤمن منح الشرعية للدستور أو إقراره.

    – مرحلة الدينامية، وتعد ذات طبيعة هامة حيث يشارك واضعو الدستور في تحقيق نتائج دستورية شرعية، سواء تلك القانونية منها (الامتثال للقواعد والمبادئ والأعراف القانونية ذات الصلة) أو السياسية ( السيادة ) أو الأخلاقية ( المصالحة الاجتماعية والعفو وتجديد منظومة القيم)، بدلاً من الاكتفاء بمجرد وضع نص دستوري مجرد. الأمر الذي يسبغ على عمليات بناء الدستور شرعية يمكن البناء عليها لرسم ملامح شكل الدستور النهائي وتطبيقه. لذلك لا تقتصر شرعية الدستور على آليات كتابته بشكل نظري،  بدون أن تتعزز بعملية بناء الدستور. والمقصود هنا التفريق بين عمليات بناء الدستور ومحتواه، كعمليتين يسيران بالتوازي لإضفاء الشرعية للدستور.

    لا يمكن لأي دستور أن ينجح لوحده في تحقيق الأهداف المرجوة، كالسلام والديمقراطية والنمو الاقتصادي، فالدساتير لا تطبق نفسها بنفسها، بل يتعين على القادة والمتفاوضين والمشاركين في إعداد الدستور  والمواطنين العمل سوية حسبما ينص الدستور، وهذا ما يعرف بالالتزام ببناء الدساتير.

    أولاً- التحديات التي تواجه عمليات بناء الدستور: 

    تواجه عمليات بناء الدستور الكثير من التحديات التي قد تعيق عملية تحول الصراع إلى الديمقراطية. وفي هذا الخصوص تُطرح الكثير من الأسئلة حول القضايا، و القرارات التي يتم اتخاذها أثناء المراحل الأولية  لبناء الدستور، لاسيما فيما يتعلق بالتغيير الدستوري والقضايا الجوهرية التي يتعين صياغتها والتركيز عليها، ومنها:

    1-            تحديد نطاق التغيير الدستوري: فقد يسعى واضعو الدستور إلى وضع تصميم ينطوي على تغيير شامل يحل محل الدستور القديم عبر دستور جديد، ما يستلزم الانفصال تماماً عن الماضي، وربما يكون تغييراً دستورياً متدرجاً من خلال إصلاح الدستور القائم على نحو متواصل، ما يستلزم والحال هذه نسيان الماضي وتجاوزه. مع الأخذ بعين الاعتبار بأنه وبالرغم من البرلمانات تعتبر الطريق الوحيد لتحقيق التغيير الديمقراطي،إلا أنها تبقى في مراحل ما بعد الصراع مثلها مثل أي طرف يشارك في المساومة الدستورية، ولديها مصالح مؤسسية تسعى للسيطرة على عليات بناء الدستور.

    2-            التدابير أو الترتيبات المؤقتة: وهذه قد تنشأ خلال عملية التوافق على عملية بناء الدستور، كحالة من من حالات التأثر بالصراع، إذ ليس من الضروري أن تكون لحظة انتهاء الصراع هي اللحظة الأكثر ملائمة لصياغة الدستور، ولكن التحدي الأكبر الذي سيسمح بقدر أكبر من التغيير هو كيفية وصول مصمي الدستور إلى مرحلة الانفصال عن الماضي تماماً، ما يمهد للعمل على أساس أطر قانونية وسياسية جديدة تحل محل الأطر القديمة، وإتاحة المجال لبناء دستوري في ظروف مستقرة.

    وتبرز هنا أهمية الاتفاق على الترتيبات المؤقتة، وكيفية الربط بينها وبين الترتيبات الدستورية الدائمة، فالتسلسل الزمني السليم له أهمية كبيرة لإتاحة الفرصة للأطراف الوطنية للتركيز على المدى البعيد

    3-            العدالة الانتقالية: كمقدمة ضرورية لإرساء ثقافة دستورية بعد حقبة الصراع والانقسام المجتمعي العميق. وفي هذا الخصوص يتوجب على القائمين على تصميم الدستور، الإجابة على الأسئلة التالية: كيف يمكننا التعامل مع الماضي. كيف  يمكن التصالح أو الغفران؟ كيف يمكننا تعلم التعايش مع الطغاة ومرتكبي جرائم الماضي؟.

    وهنا تبدو أدوار المفاوضين والقائمين على عمليات بناء الدستور في علاج الانقسامات بين الحكام وضحايا حقوق الإنسان، ومع وضع آليات الكشف عن الحقائق التي أدت للظلم. وهو ما يستلزم إعادة تأهيل المجتمع بأسره بدلاً من تكريس الفرقة وتمزيق أشلاءه، لاسيما في صراع ليس فيه منتصر، مما يفرض ضرورة الوصول إلى تسوية بعد المفاوضات.

    4-            دور الفواعل الخارجية: بالرغم من أن عملية بناء الدستور هي عملية سيادية، إلا أنّ عملية بناء الدستور هي بالأساس القانوني، غالباً ما تكون مدعومة بعليات السلام التي ترعاها الأمم المتحدة والقرارات الدولية ذات الصلة. وقد لجئت الأمم المتحدة إلى استخدام الالتزام بحقوق الإنسان كعامل حاسم لإقرار الشرعية في جميع حالات مشاركتها في وضع الدستور، كما دورها الرئيس في تحديد وتوقيت ومدة عملية بناء الدستور، مع التركيز على مرحلة الصياغة.

    كذلك يبرز دور الفواعل الخارجية في بناء الدستور عبر المتبرعين الذين يقدمون المساعدات المالية في المشاركة الشعبية والتثقيف الميداني والدراسات البحثية. وتضم أيضاً الدعم المقدم من مستشارين بعينهم، ومن يتم تكليفهم بمهام التوسط والضمانات الأمنية، والجهات والهيئات الدولية، التي تتبنى مبادئ مهمة وإعلانات بالمعايير لإلزام الأطراف الوطنية بمسار عمل معين، ومنظمات المجتمع المدني الدولية، التي بمقدورها أن تقدم مراقبة مستقلة.

    5-            عدم تركيز السلطة وتوزيعها: تحتاج الديمقراطية في مراحل ما بعد الصراع إلى التعددية سواء على صعيد الأفكار السياسية أو على صعيد توازن العلاقات بين مؤسسات الدولة. لذلك تبدو المركزية في هذه الظروف تقويضاً للديمقراطية والاندماج المنشود في إطار الدولة الواحدة.

    الأمر الذي يفرض على واضعي الدستور تصميماً مؤسساتياً عن طريق إنشاء مراكز قوى على المستوى الوطني، وكذلك رأسية على المستوى الوطني والمحلي.

    ويمكن تحقيق ذلك من خلال خيارات أفقية ( الفصل بين السلطات، زيادة أجهزة المراقبة الدستورية)، أو من خلال خيارات رأسية ( كأشكال اللامركزية بدءً من التفويض وصولاً إلى الفيدرالية). ويمكن والحال هذه توزيع السلطة وإنشاء مؤسسات وطنية قوية، حيث تقوم الهيئات التنفيذية والتشريعية والقضائية وغيرها من أجهزة المراقبة بتفقد أوضاع بعضها البعض، كما يمكن توزيع السلطة على مستوى الهيئات التنفيذية، بحيث يتم مشاركتها فيما بين الرئيس ورئيس الوزراء ومجلس الوزراء، وكذلك من خلال مجالس دستورية قادرة على فرض إرادتها على الهيئة التنفيذية.

    6-            سيادة القانون:  يتمثل الغرض الرئيس من بناء الدستور بتقنين الاتفاقات في نص قانوني تقوم المحاكم بإنفاذه باعتباره القانون الأعلى، وهذا جزء من بناء سيادة القانون.

    وتعتبر سيادة القانون مهمة للتأكد من أن بناء الدستور ليس مجرد تقاسم للغنائم بين الأطراف السياسية المختلفة، ويجب الحفاظ على سيادة القانون من أجل فرض القيود اللازمة على الإجراءات السياسية. فسيادة القانون إنما تعني أولاً جعل الدستور هو القانون الأعلى.

    ثانياً- ديناميات بناء الدساتير: الرغبة الجماعية نحو تغيير تدريجي

    وهي مجموعة الخيارات المتاحة والمناسبة للسياق الخاص فيما يتعلق ببناء الدستور. فعادة ما يقوم واضعو الدستور باتخاذ نوعين من القرارات:

    –              القرارات المتعلقة ببدء عملية بناء الدستور: وهي الإجراءات التي تحتاجها أي عملية لكتابة الدساتير في الظروف العادية، والمتعلقة بإنشاء المؤسسات والقواعد الناظمة لها.

    –              القرارات المتعلقة بالمحتوى بما يتسق و السياقات التي فرضتها وتفرضها حالة الصراع.

    وفي كلا الحالتين تتجه عمليات بناء الدستور نحو كيفية وضع المبادئ الدستورية، إما عن طريق التفاوض والإدراج الصريح في الدستور، أو من خلال المعنى المنبثق من نص المادة وبنيتها والتنفيذ العملي للدستور.

    1-            المبادئ الدستورية:  تقوم ديناميات بناء الدساتير على مجموعة من الغايات التي تحدد أغراض التعبير عن المبادئ العامة في الدستور، وكيف تمثل المبادئ الدستورية قيم وغايات الدولة المنشودة، وكيف يمكن لهذه المبادئ الدستورية أن تضطلع بالتوافق بين الجماعات المنقسمة، وبالتالي تحديد معنى الدستور، وتحديد الأساس اللازم لإقامة حكم فعال.

    وتتناول عمليات بناء الدستور آلية وضع وإنفاذ المبادئ الدستورية، ووضع الأحكام التأسيسية والديباجة، والمبادئ التوجيهية، وكيف تكون المبادئ الدستورية دليلاً تهتدي بها السلطة، وتتولى إنفاذها المحاكم، وما هي الضمانات القانونية والسياسية لحماية الحكم الديمقراطي، عبر تعزيز حكم القانون، والمبادئ المرتبطة في حماية التنوع، والضمانات القانونية والسياسية لحماية هذا المبدأ. والمبادئ المرتبطة أيضاً بحماية النوع وتعزيز المساواة بين الجنسين، والضمانات القانونية والسياسية لحماية هذا المبدأ. وعلاقة الدستور بالدين، والكيفية التي يمكن للدستور الحفاظ على حرية الأديان. وتكريس المبادئ المرتبطة بالقانون الدولي، وآليات إدماج الالتزامات الدولية في النظام القانوني الداخلي.

    مثال: لعبت المبادئ الدستورية دوراً مهماً في صياغة وتطبيق دستور جنوب أفريقيا، وتمخضت المفاوضات السياسية الأولى عن اتفاق على 34 مبدءاً أساسياً وملزماً، بينها الالتزام بوحدة البلاد والمواطنة المشتركة، والمساواة العرقية وسيادة الدستور. ولم تكن هذه المبادئ أساساً للدستور المؤقت فحسب، بل شكلت أيضاً إطاراً للتفاوض على دستور 1996 وصياغته.وقبل أن يدخل دستور 1996 حيز التنفيذ، اقتضى الدستور المؤقت أن تقوم المحكمة الدستورية المشكلة حديثاً بالإقرار أن الدستور يتوافق مع المبادئ الأساسية الـ 34 المحددة في الدستور المؤقت، وهكذا تم تضمين الضمانات القانونية في النظام الدستوري، كما أنها استطاعت أن توجه وتحدد نطاق التفاوض بشأن النص النهائي للدستور.

    لقد رفضت المحكمة الدستورية بجنوب أفريقيا المسودة الأولى لدستور 1996 نظراً لعدم إقراره الكامل بالمبادئ الـ34 ، وفشلت مسودة الدستور في تفويض سلطات كافية للحكومات الإقليمية، واحتدم الخلاف خلال الصياغة بين الأحزاب بين مؤيد لللامركزية ( الحزب الديمقراطي وحزب الحرية)، وبين رافض لها كحزب الاغلبية ( حزب المؤتمر الوطني الأفريقي)، وجاءت مسودة الدستور التي قُدمت للمحكمة الدستورية في مايو 1996 مؤيدة للمركزية، بما يخدم مصالح حزب المؤتمر الوطني الأفريقي في حين أكدت المبادئ الـ34 على ضرورة الحكم الذاتي الإقليمي”، إذ نصت صراحة على أن ” سلطات ومهام الأقاليم المعرفة ضمن الدستور، يجب ألا تكون أقل أو أدنى بدرجة كبيرة من تلك المحددة في الدستور المؤقت”. وهكذا أسقطت المحكمة الدستورية تأييد للمركزية، ومن خلال إقرار اللامركزية، وفرت المحكمة الدستورية ضمانة قانونية للحماية من حكم الأغلبية.

    2-            الدستور و المبادئ المتعلقة بالقانون الدولي (بناء ثقافة حقوق الإنسان): يتضمن القانون الدولي عدداً من المبادئ التي تُلهم الدساتير الحديثة، وكي تكتسب الدول شرعية في المجتمع الدولي، يجب أن تلتزم دساتيرها بالقواعد الأساسية للقانون الدولي، مثل احترام حقوق الإنسان الأساسية. لذلك تنحو بعض الدول تأكيداً للالتزماتها بالمعايير الدولية للدساتير، بتضمين الالتزامات الدولية جزء مباشر من النظام القانوني.

    تعتبر حقوق الإنسان في القانون الدولي حقوقاً عالمية وغير قابلة للتجزئة، وبمجرد تضمينها في الدساتير فإنها تنتقبل من صفتها الأدبية غير الملزمة إلى صفتها الإلزامية. وبالتالي فإن إدراج حقوق الإنسان يشكل تحدياً للسلطات الحكومية، لأنها تشكل حجر بناء الديمقراطية، وهي مكملة لشرعية الدستور، كما يمكن توفير ثقافة حقوق الإنسان الأفراد العاديين من الطعن في قرارات مسؤولي الحكومة ومؤسسات الدولة.

    لذلك لابد من الإجابة على العديد من الأسئلة فيما يتعلق بعمليات بناء الدستور وثقافة حقوق الإنسان، ومنها: كيف يمكن توفير إطار نصي لصياغة حقوق الإنسان في عملية بناء الدستور، وكيف يتم التعامل مع الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان خلال الصراع، من أجل إرساء ثقافة دستورية جديدة لحقوق الإنسان. وفي أي الحالات يمكن أن تؤدي الضمانات الدستورية لحقوق الإنسان إلى المخاطر بزيادة الصراعات أو عودته بدلاً من تخفيفها. وما هي المخاطر التي ترافق ديناميات بناء الدستور في معرض مناقشة حقوق الإنسان التي قد تؤدي إلى توترات خلال عمليات بناء الدستور.

    3-            بناء السلطة التنفيذية: تضطلع السلطة التشريعية بهدف واضح وهو إنفاذ أو تطبيق القانون بصيغته الموضوعة من قبل السلطة التشريعية، وغالباً ما يُنظر إلى السلطة التنفيذية بأنها الحاكم أو الزعيم للبلاد. لذلك فانتخاب رئيس السلطة التنفيذية يعتبر حدثاً مهماً قد يؤدي إلى تنافر كبير، ولاسيما في المجتمعات المتأثرة بالصراع.

    لذلك تضطلع ديناميات بناء الدستور بتوفير الدعم للجهات المعنية لترجمة برامجها في نسق دستوري، والتوفيق بين مختلف المتنافسين وصولاً إلى تسوية دستورية قابلة للتطبيق. وذلك من خلال طرح الخيارات الدستورية التي تتعلق أولاً بشكل الدولة وطبيعة النظام السياسي، وثانياً بوضع الخيارات الدستورية التي من شأنها الحد من تركيز السلطة التنفيذية، لاسيما وأن تاريخ الصراعات ينبئنا بأن غالبيتها بسبب المركزية المفرطة للسلطة التنفيذية.

    إنّ الحد من تركيز السلطة التنفيذية يهدف في نهاية المطاف إلى السماح بمشاركة جهات أكثر في عملية صناعة القرار، سواء كان ذلك من قلب للسلطة التنفيذية نفسها، أو عن طريق الضوابط والتوازنات في علاقتها مع باقي السلطات.

    4-            بناء السلطة التشريعية: تشكل السلطة التشريعية المؤسسة الأكثر تمثيلاً على الصعيد السياسي، بالإضافة لكونها تمارس ثلاث وظائف رئيسية وهي: التمثيل والتشريع والرقابة، وهي الساحة السياسية التي تتنافس فيها الآراء في المجتمع،  وفي حالات ما بعد الصراع تحاول الجماعات المتصارعة سابقاً نبذ العنف واستبداله بالتنافس السياسي.

    يشكل البناء الدستوري حلاً وسطاً بين مختلف الجهات الفاعلة، وسيطلب الكثير من الأطراف بعد نهاية الصراع تسوية أوضاعهم بما في ذلك المفسدين ومرتكبي العنف. وهو ما يشكل تحدياً لواضعي الدستور، وذلك بالتحول من الركون لأفضل دستور فني وتقني إلى توفير أفضل الحلول الدستورية المتاحة.

    قد تهمين مصالح السلطة التشريعية على عملية رسم سياسة السلطة التشريعية، وذلك من خلال الأحزاب السياسية التي تأتي إلى البرلمان، وقد تتفق الأحزاب فيما بينها باعتماد نموذج ” الفائز يربح كل شيء” ليس فقط فيما يتعلق بالنظام الانتخابي وحسب، ولكن أيضاً فيما يتعلق بسياسة السلطة التشريعية. لذلك تقف أمام واضعي الدستور الكثير من التحديات، لاسيما في ظل سلطة تشريعية غير مقيدة في ظل حكم الأغلبية البسيطة، قد تأتي هي الأخرى باستبداد تمارسه على الأقليات غير الممثلة تمثيلاً كافياً.

    وفي هذا الخصوص تطرح العديد من الأسئلة، التي تحتاج من واضعي الدستور الإجابة عليها، سواء منها المتعلقة بشكل الحكم ونظام الحكومة لجهة اختيار رئيس الحكومة ومهام رئيس الدولة ورئيس الحكومة، أو لجهة تصميم السلطة التشريعية ذاتها، كتلك المتعلقة بالنظام الانتخابي التي تتألف عن طريقه السلطة التشريعية. ودراسة احتمالات تكوين السلطة التشريعية من غرفة أو غرفتين، وكيف يتم انتخاب أعضاء الغرفة الثانية، و الصلاحيات المتعلقة بلامركزية السلطات التشريعية، وهل هي السلطة الوحيدة المخولة بسن القوانين، أم يكون للسلطة التنفيذية في ظروف معينة صلاحية ذلك عبر مايعرف بمشاريع القوانين أو المراسيم الاشتراعية، والحدود الممنوحة للسلطة التشريعية في إصدار القوانين، ودور السلطة التنفيذية في النظر في دستورية مشروع قانون قبل أن يتحول إلى قانون.

    5-            بناء السلطة القضائية: تعهد الدساتير للسلطة القضائية بتسوية النزاعات وتفسير القانون. لذلك يتوجب على المضطلعين ببناء الدستور إعطاء السلطة القضائية سلطة المراجعة الدستورية كضمان للتأكد من تماشي التشريعات والإجراءات الحكومية مع متطلبات ومقتضيات الدستور، والتأكيد على استقلالية القضاء، وكيفية إسهام السلطة القضائية في ضمان حكم القانون، ووضع الضوابط والتوازنات بين السلطة القضائية والسلطات الأخرى، وتحديد أسس وآليات المراجعة الدستورية، ودور السلطة القضائية في إنفاذ ضمانات الدستور، و ماهي القرارات والقوانين التي يمكن مراجعتها في إطار المراجعة الدستورية، وكيفية اختيار القضاة وعزلهم.

    خاتمة

    غالباً ما تبدو ديناميات بناء الدستور محكومة بعوامل خارجة عن الدستور بحد ذاته، إلا أن مهمة واضعي الدستور تظهر في تذليل أكبر قدر ممكن من التأثيرات الخارجية التي خلفها الصراع، عن طريق التأثير في كيفية رسم سياسة عملية بناء الدستور، بالحد من الاحتكار السياسي من قبل مجموعات معينة.

    و قد لا يقوم الدستور بحل وتسوية كافة القضايا، إلا أنّ المضطلعون بعمليات بناء الدستور سيكونون قادرين – على أقل تقدير – على مواجهة المفسدين ما يؤسس للدخول إلى حيز التنفيذ المؤيد بثقة جماهيرية واسعة، كما يساعد على ترسيخ وتحصين المؤسسات العامة، ويؤسس لإعداد دستور يتبنى الديمقراطية، من خلال معرفة المعايير التي تقوم على التوافق والشمول والمشاركة.