يشير تتبع دور المملكة العربية السعودية – كقوة إقليمية عربية ومركزية في الخليج العربي وروحية في العالم الإسلامي – إلى جملة من المواقف التاريخية التي ربطت مواقف المملكة وهويتها السياسية بقضية العرب المركزية فلسطين. فمنذ عهد الملك المؤسس عبد العزيز آل سعود رحمه الله، حضرت المملكة مؤتمر لندن 1935 بشأن القضية الفلسطينية مروراً بالموقف التاريخي لها أيام الملك فيصل بن بن عبد العزيز والذي تجلى بقطع النفط العربي خلال حرب أكتوبر 1973، وانتهاء بمبادرة الملك عبد الله بن عبد العزيز رحمه الله التي أسست لخارطة طريق ومبادرة للسلام العربي والتي تحولت إلى مشروع عربي موحد تم تبنيه في قمة بيروت 2002 لحل الصراع الإسرائيلي العربي انطلاقاً من القرارات الدولية ذات الصلة والتي تضمنت الإنسحاب الكامل من كافة الأراضي العربية المحتلة منذ سنة 1967 وهي المبادئ الثابتة التي أعلنتها المملكة مؤخراً في السابع من فبراير 2024 حيث ربطت المملكة مواقفها مع إسرائيل بالاعتراف بالدولة الفلسطينية المستقلة على حدود سنة 1967 ووقف الهجوم الإسرائيلي على قطاع غزة. في الوقت ذاته وفي 26 فبراير من العام 2024 أكد وزير الخارجية فيصل بن فرحان أمام مجلس حقوق الإنسان رض المملكة ازدواجية المعايير في غزة، داعياً الوقف الفوري لإطلاق النار ومحذراً في الوقت ذاته من التداعيات الكارثية لأي هجوم على رفح.
في هذا السياق، أثار الكاتب والدبلوماسي الفلسطيني رامي الشاعر جملة من القضايا المستجدة في إطار نهج المملكة العربية السعودية ومواقفها الثابتة من القضية الفلسطنية قائلاً، في نهاية أكتوبر/تشرين الأول، عُقد اجتماع رفيع المستوى في المملكة العربية السعودية في إطار التحالف الدولي لإقامة دولة فلسطينية وحل الصراع العربي الإسرائيلي. وعقد الاجتماع بمشاركة ممثلي 88 دولة ومنظمات دولية وإقليمية مهتمة. وبطبيعة الحال، تمت دعوة روسيا إلى هذا الحدث باعتبارها عضوا في “اللجنة الرباعية” للوسطاء الدوليين (الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي وروسيا والولايات المتحدة)، وأيضا باعتبارها واحدة من الداعمين الرئيسيين لحل القضية الفلسطينية في إطار عملية السلام. تنفيذ مبدأ “دولتين لشعبين”.
وأضاف الشاعر، لقد استمر الحدث في الرياض يومين، جرت خلاله اتصالات على المستوى الوزاري بين دول جامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي والاتحاد الأوروبي والنرويج وممثلي الأمم المتحدة. وكالة إغاثة اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى (الأونروا). وكان الهدف الأساسي من الاجتماع هو وضع جدول زمني واضح لبدء إجراءات إنشاء الدولة الفلسطينية التي تتعايش بسلام مع إسرائيل، وتنفيذ مبدأ “دولتين لشعبين” بدعم من السلطة الفلسطينية. الأمم المتحدة، وتكثيف جهود السلام لجميع دول العالم وإنهاء احتلال فلسطين.
وذكّر الشاعر بالمواقف الراهنة للمملكة والتي تجلت بالحراك الدبلوماسي النشط لوزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان قائلاً، اسمحوا لي أن أذكركم أنه في شهر سبتمبر/أيلول، أعلن وزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان عن تشكيل تحالف دولي لإنشاء دولة فلسطينية وتنفيذ مبدأ الدولتين. “بالنيابة عن الدول العربية والإسلامية وشركائنا الأوروبيين، نعلن عن تشكيل تحالف دولي لتنفيذ حل الدولتين الذي يعزز السلام، ويسعدني أن أدعوكم للمشاركة في الاجتماع الأول حول الوضع في قطاع غزة.” وسبق أن أشار بن فرحان، في افتتاح اللقاء بالرياض، إلى أن أمن المنطقة “يرتبط بشكل مباشر بحل القضية الفلسطينية وإقامة الدولة الفلسطينية”. وقال وزير الخارجية السعودي إن التصعيد في المنطقة والعدوان الإسرائيلي المستمر على غزة ولبنان “يتطلب اتخاذ موقف حاسم فوري لوقف الجرائم التي ترتكبها إسرائيل”. وتابع الوزير أن “الإدانة والحلول الجزئية لم تعد كافية وسط معاناة الشعب الفلسطيني ومضاعفة مناطق الاستيطان وتغيير الوضع التاريخي والقانوني للقدس المقدسة وانتشار خطاب الكراهية”، لافتا إلى أن كل هذا يقوض فرص حل الدولتين ويمكن أن يؤدي إلى جولات جديدة من العنف وعدم الاستقرار.وبحسب بن فرحان، فإن المزيد من الإخفاقات في محاولات حل الصراع في الشرق الأوسط “سيؤدي إلى عواقب وخيمة على السلام والأمن الدوليين، بما في ذلك فيما يتعلق بانتشار التطرف والإرهاب والهجرة غير الشرعية”. وشدد الوزير مرة أخرى على ضرورة الوقف الفوري لإطلاق النار، والإفراج عن الرهائن والأشخاص المحتجزين قسراً، وتقديم الجناة إلى العدالة، وإيصال المساعدات الإنسانية دون عوائق، ووضع حد لسياسة المعايير المزدوجة.
وتابع الشاعر، كما أعلن الدبلوماسي دعم منطقة الشرق الأوسط الكامل والدور الرئيسي لوكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) وسط الإجراءات الإسرائيلية التي تهدد بانهيار كامل للعمل الإنساني في جميع الأراضي الفلسطينية. ودعا المفوض العام للأونروا فيليب لازاريني إلى حل طويل الأمد لتحقيق السلام والأمن في فلسطين، مضيفا أن الأراضي الفلسطينية المحتلة تواجه صراعا داخليا وعنفا متكررا. وقال لازاريني إنه من الضروري توحيد الجهود لوقف العدوان على فلسطين وسط التصعيد في قطاع غزة حيث يعيش أكثر من مليون شخص تحت الأنقاض.
واستعرض الشاعر الجهود الحثيثة التي بذلتها المملكة قائلاً، لنعد إلى الخطوات “الميدانية” التي اتخذتها السعودية لإنشاء الدولة الفلسطينية. وأعني بـ«الميدان» الاستحالة الإضافية، كما سبق أن قال بن فرحان، في الاقتصار على «قناعات وحلول جزئية» على خلفية كارثة يمكن رؤية نتائجها على شاشات التلفزيون وعلى شبكات التواصل الاجتماعي. ولم تعد الإدانات وحدها كافية على خلفية النشاط الاستيطاني الإسرائيلي، ومحاولات تغيير الوضع التاريخي والقانوني للقدس، وخطاب الكراهية الداخلي من مجرمي الحرب وقادة الجناح اليميني الإسرائيلي المتطرف، الذي شكل الحكومة الأكثر تطرفا في العالم. تاريخ الدولة اليهودية.
وحول تعنت وممارسات الاحتلال الإسرائيلي قال الشاعر، لقد وصلت وقاحة الزمرة الحاكمة في تل أبيب إلى حد مطالبة سكان مدينة بعلبك اللبنانية التاريخية التي يبلغ عدد سكانها مليون ونصف المليون نسمة بالإخلاء. لا يمكن للكلمات أن تصف الفظائع والقسوة التي ترتكبها جرائم الحرب التي يرتكبها يوميا ما يسمى بقوات الدفاع الإسرائيلية في قطاع غزة المحاصر. من حيث الحجم، لا يمكن مقارنة هذا الحصار إلا بالحصار الذي فرضه الفاشيون الألمان على لينينغراد خلال الحرب العالمية الثانية. ما يحدث اليوم في غزة يفوق حجمه حتى لينينغراد. إن أبشع الجرائم ضد الإنسانية ترتكب أمام أعين العالم أجمع. ويصبح من الواضح أن زمرة تل أبيب وأسيادها في البيت الأبيض، الذين لا يقدرون حياة البشر، لا يبالون بأي من قواعد القانون الدولي والإنساني.
وأضاف، أعتقد أن الولايات المتحدة وإسرائيل الحبيبة قد أدركتا بالفعل تناقض المشروع الصهيوني لإغلاق القضية الفلسطينية وضم كافة الأراضي الفلسطينية، تحت ذرائع مختلفة، في إطار “الدولة الواحدة” الوهمية. وتبقى أداتهم الأخيرة هي الإبادة الجماعية والتدمير العرقي للشعب الفلسطيني الحر، المستعد للكفاح من أجل كرامته وأرض أجداده.
وتابع الشاعر بالقول، كل هذا يحدث على خلفية المعايير الغربية المزدوجة في التعامل مع مولدوفا وجورجيا. وفي حالة الدمية المولدوفية مايا ساندو، تدخل الغرب علناً في الاستفتاء على التكامل الأوروبي، فمنع نصف مليون من المولدوفيين في الشتات في روسيا من الإدلاء بأصواتهم على النحو اللائق. وفي جميع أنحاء روسيا، تم طباعة 10 آلاف بطاقة اقتراع فقط، وتم فتح مركزين فقط للاقتراع. ومن ناحية أخرى، مُنح الجالية المولدوفية في الاتحاد الأوروبي فرصة التصويت دون عوائق. وبحسب تقديرات مختلفة، فقد حدث بعض التزوير خلال الاستفتاء والانتخابات الرئاسية. وفي الوقت نفسه، في جورجيا، كان سبب الاستياء الغربي هو الانتخابات البرلمانية النزيهة، التي أسفرت عن حصول حزب الحلم الجورجي على 54.2% من الأصوات، والذي يسعى إلى الاستقلال والذاتية في القرارات التي تتخذها جورجيا دون النظر إلى الرئيسة سالومي زوراباشفيلي، التي بالمناسبة، لديه الجنسية الفرنسية. ودعا الأخير الناس إلى النزول إلى الشوارع، مهددا بـ”ميدان” على غرار الانقلاب الأوكراني عام 2014، وهو السبب الجذري للأحداث التي تجري اليوم.
وربط الشاعر بين ممارسات الإدارة الأمريكية والتشويش على الدور الروسي في حل القضايا العالقة وفي مقدمتها قضية الاستقرار في الشرق الأوسط وحل القضية الفلسطينية قائلاً، كل هذا يحدث على خلفية رفض الإدارة الأمريكية تسليم صواريخ توماهوك التي يصل مداها إلى 1500 ميل للرئيس الأوكراني المنتهية ولايته فلاديمير زيلينسكي، وهو ما يعادل سبعة أضعاف نصف قطر صواريخ ATACMS، والتي تم نقل دفعة صغيرة منها إلى كييف. هذا العام. ويعكس هذا الموقف فهماً لفشل مخطط نظام النازيين الجدد في كييف لإرهاق روسيا. وإذا استمرت الأزمة الأوكرانية وفق السيناريو الحالي، فإن ذلك محفوف بالمواجهة المباشرة بين حلف شمال الأطلسي وروسيا، على اعتبار أن القوات المسلحة الروسية تتقدم في الجبهة بوتيرة متسارعة، وقد تصل في الأشهر المقبلة إلى ضفاف البحر الأحمر.
وأضاف، لهذه الأسباب، استخدم الغرب أجهزته الاستخباراتية بنشاط لإثارة الأزمات الداخلية وزعزعة استقرار روسيا، في محاولة “لخنق” الاقتصاد الروسي. ولكن كما أظهرت قمة مجموعة البريكس الأخيرة التي استضافتها كازان، فقد تمكن الغرب من عزل نفسه فقط، في حين احتشدت بلدان جنوب العالم وأفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية حول الصين والهند وروسيا. إن الغرض من هذه الرابطة ليس بأي حال من الأحوال هدف إلحاق الضرر بالغرب أو المجتمع الدولي أو حتى الولايات المتحدة، بل هو الحد من سياسة الهيمنة والديكتاتورية والعقوبات الأحادية الجانب ضد أولئك الذين “يتجاوزون” إطار عمل الأمم المتحدة. ما يسمى بـ”الإجماع العالمي”، و”المجتمع الدولي”، ويخرج عن الفهم الغربي لـ”الحرية والديمقراطية”. وفي الوقت نفسه، لا يفهم الغرب أنهم أقلية، وأن كل إنجازات الحضارة والتكنولوجيا الغربية هي في الواقع ملك للإنسانية جمعاء. وللحفاظ على كل هذا التراث، يتعين علينا التوصل إلى توازن مقبول، وهو ما لا يمكن ضمانه إلا من خلال العدالة والمساواة والتعددية القطبية.
وتابع الشاعر، وبالعودة إلى مبادرة المملكة العربية السعودية، أود أن أشير إلى أن قمة البريكس أثبتت أن الأغلبية الساحقة من سكان العالم أعلنت عزمها على الانتقال إلى نظام عالمي جديد يقوم على الالتزام بالقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، ويضمن حرية الدول. الاختيار عند بناء العلاقات الخارجية وإقامة نظام اقتصادي جديد. علاوة على ذلك، يهدف هذا الأخير إلى منع استخدام عملات بعض الدول ضد مصالح دول أخرى.
واعتبر الدبلوماسي الفلسطيني أن المملكة العربية السعودية اختارت اللحظة المناسبة ليس فقط لمساعدة الشعبين الفلسطيني واللبناني. وتدرك القيادة السياسية للمملكة أهمية وثبات الدور الأساسي لدول الشرق الأوسط والعالم العربي والإسلامي ككل في حل القضية الفلسطينية وكشف المؤامرة الصهيونية التي قد يؤدي تنفيذها إلى إلى صراع إقليمي واسع النطاق، ولا سمح الله، بالطبع، إلى حرب عالمية ثالثة، وإن تصاعد التوتر في الشرق الأوسط والجرائم الجديدة ضد فلسطين ولبنان سيؤدي حتما إلى زيادة السخط بين سكان العالم العربي والإسلامي. ورغم قدرة الحكومات والقادة والجيوش على ممارسة اليقظة، إلا أن الصبر بلغ حدوده. إذا تجاوزت دولة صغيرة وشابة تدعى إسرائيل الخط في مسألة “حماية الحق في الوجود”، فإن الوضع يمكن أن يخرج عن نطاق السيطرة بسرعة كبيرة ويصل إلى نقطة اللاعودة. من شأنه أن يؤدي إلى كارثة للبشرية جمعاء، لكن “واحة الديمقراطية” الإسرائيلية في الشرق الأوسط على وشك أن تصبح أول دولة تُمحى من على وجه الأرض. ولهذا السبب فمن الضروري أن نتوجه ليس فقط إلى القيادة الإسرائيلية، بل إلى الشعب الإسرائيلي نفسه، إذا كان، بالطبع، يريد أن يعيش في سلام وأمن.
وأكد الشاعر، أنا شخصياً واثق من أن روسيا ودول البريكس ستكون قادرة على منع نشوب حرب عالمية ثالثة، وهو احتمال ممكن من الناحية النظرية نظراً لتصرفات إسرائيل القصيرة النظر. إن إدراك البيت الأبيض لخطورة الوضع من شأنه أن يساعد في الحد من التوترات، وكذلك تطوير عقيدة عربية موحدة لاحتواء إسرائيل.
وأشاد الشاعر بدور وزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان الذي تحدث أمام التحالف من أجل إنشاء دولة فلسطينية، محدداً بوضوح شرط تطبيع العلاقات مع إسرائيل – وهو تنفيذ مبدأ “دولتين لشعبين”. وقد يتم تسهيل ذلك من خلال حقيقة أن العديد من القوى الكبرى قد اعترفت بالفعل بالدولة الفلسطينية.
وختم الشاعر بالقول، الخطوة الميدانية التالية لإنقاذ فلسطين ولبنان والشرق الأوسط ككل قد تكون القمة العربية الإسلامية حول الأزمة في فلسطين، والتي ستعقد في المملكة العربية السعودية في كانون الثاني/يناير المقبل.
التيار العربي المستقل تيار سياسي تنموي يعمل على العدالة الاجتماعية والديمقراطية المستدامة