خاص – التيار العربي المستقل
يقول المثل الشعبي السوري ” فلان بق البحصة” ، ويقابله في العربية الفصحى ” في فمه ماء” في دلالة على صبر أحدهم الذي يحتفظ بكم هائل من الأسرارالمكتومة في صدره، ولكنه لايريد البوح بها توخياً للسلامة، واستمراراً للود، وعدم كشف المستور في سبيل حل المشكلات العالقة.
بعد أربعة عشر سنة من الكارثة السورية، وبعد كرّ وفر يدفع ثمنه المدنيون السوريون وحدهم دون غيرهم ، هاهي المعارضة السورية المسلحة تقلب الطاولة وتستعيد حلب، التي تشكل بيضة القبان وقلب الصراع السوري وأداة حسمه.
ماحدث ويحدث في حلب يمكن قراءته في إطار فرضيتين متعارضتين؛ الفرضية الأولى عودة الصراع السوري إلى المربع الأول، وبالتالي استمرار عقيدة الفناء والانتحار المتبادل وتقاسم الخسائر بين النظام والمعارضة، والأهم من ذلك القول بأن تقسيم سورية أو ” سورية المفيدة” أصبحت واقعاً. أما الفرضية الثانية فقد تشير إلى ولادة قيصرية تبدأ من حلب. ولادة متفق عليها بين الأطراف الضالعة في الملف السوري، التي ما أن عجزت في الوصول إلى الحل استناداً للقرار 2254 حتى لجئت إلى طريقة التفكيك والتركيب كعقيدة سياسية دبلوماسية عسكرية مركبة تتسق وطبيعة الصراع السوري الذي أصبح معقداً ومتداخلاً بجملة من التجاذبات السياسية والطائفية والإثنية والأمنية، في مواجهة العامل السيكولوجي لدى النظام والمعارضة كطرفين مازالا ” يتفاوضان” على طريقة الزير سالم وعلى قاعدة ” أريد أبي حياً” أو ” كل شيئ أو لاشيئ.
منذ تسعة أشهر، وبتاريخ 22 آذار / مارس كتب رامي الشاعر في حديث خاص لموقع ” التيار العربي المستقل” مقالة بعنوان ” لا أستبعد أن تنسحب روسيا من سورية وتنهي تواجدها، وربما تخليها أيضاَ عن القاعدة البحرية في اللاذقية، وذلك بسبب تعنت النظام وعدم استجابته لأية خطوة نحو الحل السياسي استناداً للقرار 2254″.
في المقالة ذاتها؛ قدم رامي الشاعر ( الدبلوماسي المقرب من دائرة صنع القرار في روسيا) مبادرة إلى النظام السوري حذرت من انزلاق الأمور إلى ما لايحمد عقباه، ومشيراً في الوقت ذاته إلى الموقف الروسي الذي كان يعمل إبان تلك المرحلة على هندسة الحل السياسي استناداً للقرار 2254، حيث اختصر الشاعر مبادرته بالمثل العربي القائل ” احذروا المتمسك إذا ترك”.
لم تلاقي مبادرة الشاعر أية استجابة من النظام السوري للولوج بأية خطوة نحو الحل السياسي، في الوقت الذي لاقت فيه المقالة صدى كبيراً بين السوريين ووسائل الإعلام السورية والعربية.
في مراحل لاحقة قدم الشاعر المبادرة تلو المبادرة مستشرفاً ماسيجري في حلب، انطلاقاً من معلوماته الخاصة التي أول من يفهم أبعادها النظام السوري قبل غيره.
اتساقاً مع ذلك، شارك الدكتور فيصل القاسم على صفحته الشخصية مقالة الشاعر التي أثارت لدى السوريين الكثير من التساؤلات حول مآلات الأوضاع القادمة في سورية، وخاصة تلك المتعلقة برفض النظام السوري لأية تسوية استناداً للقرار 2254 حتى ولو كانت ممن صاغوا القرار ذاته.
يبقى السؤال الكبير مائلاً أمام جميع السوريين المعذبين -بدون استثناء – من المشردين والنازحين واللاجئين والجياع سواء في الداخل أو الخارج: هل سبق السيف العذل و بدأ تقسيم سورية بشكل فعلي، وهل يبدو النظام السوري راضياً– بشكل جدي- بسورية المفيدة؛ أم أنّ ولادة قيصرية في حلب تلوح بالأفق بعد أن ” بق ” الفاعلون الرئيسيون بحصتهم.
في هذا السياق، نشر الدكتور فيصل القاسم على صفحته الشخصية متسائلاً : هل سيقصف الطيران الروسي قوات المعارضة السورية التي حررت مدينة حلب؟.
يتابع القاسم: هذا السؤال وجهته الى صديقنا وأخينا الأستاذ رامي الشاعر المستشار المقرب جداً من دوائر صنع القرار في روسيا، فكانت إجابته مدهشة.
يجيب الشاعر: الطيران الروسي لا يمكن أن يقوم بأية عمليات ضد الشعب السوري، وروسيا تعي تماماً بأن الأحداث التي تجري اليوم في الشمال السوري؛ وخاصة في حلب هي نتيجة المماطلة من قبل النظام في دمشق في التجاوب بالبدء في عملية الانتقال السلمي للنظام والوضع الحالي في سورية إلى نظام جديد يتوافق مع تطلع جميع مكونات الشعب السوري العرقية والطائفية.
وتابع الشاعر، لقد سعت روسيا ومجموعة دول أستانا من خلال المساهمة بفرض نظام التهدئة على جميع الأراضي السورية كي ينضج العامل السوري الداخلي للبدء بعملية الانتقال السلمي إلى نظام حكم جديد في سوريا حسب ما ينص عليه قرار مجلس الأمن الدولي رقم ٢٢٥٤ ومخرجات مؤتمر سوتشي للحوار الوطني السوري السوري عام ۲۰۱۸.
أضاف، ولكن للأسف طال انتظار عامة الشعب السوري ، ويرافق ذلك تدهور الوضع الاقتصادي والاجتماعي في البلاد ، وللحق فقد اصبح وضع الشعب كارثياً ، فاليوم القضية ليست قضية النصرة كما يحاول البعض تصويرها، وإنما واقع الأمر يؤكد رغبة مالا يقل عن 7 ملايين من الشعب السوري في ايجاد مخرج وحل للوضع الكارثي الذي يعانون منه. وبالإضافة إلى ذلك هناك احتقان شعبي أيضا في جنوب سوريا ، وهذا يعني أن الوضع العام الحالي في سورية لم يعد يحتمل.
وأكد الشاعر، أعود مرة اخري لسؤالكم بشأن احتمال تدخل الطيران الروسي في أحداث حلب لأكرر بأن روسيا لا يمكن بأي حال من الأحوال ان تتدخل في هذه التطورات ضد إرادة الشعب السوري. روسيا يمكن أن تتدخل فقط ضد أنشطة التنظيمات الأرهابية والمعترف بها دوليا كتنظيمات إرهابية ، ولكن احداث اليوم لا يمكن تصنيفها على أنها نشاطات إرهابية ، أو أن ورائها تحريض من قبل تركيا، بل العكس من ذلك تماماً .
وحمل الشاعر المسؤولية للنظام السوري قائلاً، المماطلة من قبل النظام في دمشق لبدء الحوار مع تركيا ، والتجاوب مع مبادرة الرئيس التركي أردوغان لعقد لقاء مع الرئيس بشار الأسد ، قد اسفر عن هذا التدهور الحالي للوضع والذي قد يمتد الى أبعد من ذلك . ولذا فإن الحل الوحيد للخروج من هذه الكارثة هو البدء الفوري للحوار السوري السوري من أجل الشروع في الانتقال إلى نظام حكم جديد في سوريا.
التاير العرب يالمستقل
30 نوفمبر 2024
التيار العربي المستقل تيار سياسي تنموي يعمل على العدالة الاجتماعية والديمقراطية المستدامة