بينما تتسابق عناوين الأخبار في تتبع التوترات الإقليمية بدءاً من الحرب على ايران، وتداعياتها على المنطقة ككل، تُمعن إسرائيل في ارتكاب مجازرها اليومية بحق المدنيين الفلسطينيين في غزة ، في غاية إسرائيلية تسوق من خلاله خطرًا وهميًا، يعمل على تحويل الأنظار إلى جبهات أخرى، في محاولة واضحة لصرف الانتباه عن جرائم الإبادة الجماعية بحق المدنيين الفلسطينيين، التي تنفذها على مرأى ومسمع من العالم في غزة والضفة الغربية.
تمارس دولة الاحتلال، وهماً إعلاميًا ممنهجًا، تسعى من خلاله لتزييف مسار الحرب، فتظهر كضحية مُحاصَرة بينما الحقيقة أنّها الجلّاد الذي لا يتوقف عن التطهير العرقي وسفك الدم الفلسطيني، فتخترع معارك أخرى لتغطي عن جرائمها، فتلوح تارة بالخطر الإيراني، و تفتح جبهات في لبنان وسوريا واليمن، تارة أخرى، تحت شعار ” مكافحة الإرهاب” بينما هي تمارس هي الأخرى أعتى أنواعه ضد شعب أعزل..
في كل صباح حين يفتح الفلسطيني عينيه داخل خيمة ممزقة أو على أطلال منزله الذي لم يبقَ منه إلا الركام، يسأل نفسه: هل سأعيش اليوم؟ وكم شهيدًا سيُضاف اليوم إلى قائمة الدم؟ فمنذ اكتوبر عام ٢٠٢٣ وإسرائيل تشنّ حرب إبادة ضد من تبقّى من الأرواح في غزة والضفة والمخيمات، بلا هوادة ورحمة وبلا توقف.
في كل يوم تستهدف قوات الاحتلال الإسرائيلي مخيمات النازحين والخيام ومدارس الأونروا التي تحوّلت إلى مقابر جماعية، ضاربة بعرض الحائط مبادئ وقواعد القانون الدولي، وفي مقدمتها حماية المدنيين خلال النزاعات المسلحة، فتستهدف حشودًا من المدنيين أثناء انتظارهم للمساعدات الغذائية في غزة، وتقتل الأطفال وهم يحاولون جلب علبة سردين أو رغيف خبز، مجازر في كل يوم مستمرة، حتى أنهم أطلقوا النار على الناس وهم يركضون هرباً من الموت، ما أدى إلى استشهاد مئات الفلسطينيين بالإضافة إلى الجرحى وفق وزارة الصحة في غزة ومنظمة الصحة العالمية، الأمم المتحدة أدانت هذه الجرائم ووصفتها بأنها جزء من نمط ممنهج لاستهداف الجوعى، مؤكدة أن مثل هذه الهجمات تكررت مرارًا خلال توزيع المساعدات، وتُستخدم كأداة حرب تجويع ضد المدنيين.
إسرائيل اختارت اللحظة المناسبة للفجور، بينما يشتعل المشهد الإيراني وتنشغل العواصم العالمية في متابعة التطورات، في القوت الذي تزداد معه جرائم إسرائيل في غزة والضفة الغربية، مدركةً أن الدم الفلسطيني يمكن أن يُهدر بسهولة تحت ظل انشغال العالم بالهجوم على ايران، لكن هذه ليست صدفة إنها خطة إشعال فوضى في كل الشرق الأوسط، حروب تُشعلها إسرائيل مباشرة أو بالوكالة، انفجارات في جنوب لبنان، قصف في اليمن، اغتيالات في الضفة، حرب في ايران، دمار في سوريا. بينما تقف الإدارة الأمريكية متفرجة، حيث يجلس دونالد ترامب مجددًا على طاولة التصعيد، فظهر، كرئيس دولة عظمى؛ وكأنه مجرد واجهة، متجاوزاً الدور التاريخي لواشنطن في ضبط ربيبتها إسرائيل، فانقلبت المعادلة إلى الحد الذي ظهر فيه نتنياهو يتحكم بمسار القرار الأميركي، كما يتحكم بعجلة دبابة تسير فوق أجساد الأطفال في غزة. ترامب يُحرّك الجيوش ويقمع الجامعات ويُصدر العقوبات باسم “أمن إسرائيل” في مشهد لم يعد يخدع أحدًا، إنه الممثل الأحمق في مسرحية يكتب نصها اللوبي الصهيوني وتمولها مصانع الإمبريالية.
ولا أعرف إلى أين تقود إسرائيل الولد المدلل للولايات المتحدة حليفتها العمياء؟ هل سأل ترامب نفسه إلى أي جحيم يزجّ ببلاده؟ لقد كسب من العرب المليارات، ومازال يركع أمام الصهيونية واضعاً أميركا في فم التنين، في قلب جحيم إسرائيلي لن يحرق أحدًا أكثر مما سيحرق واشنطن ذاتها بدلاً من أن يركّز على شعبه، وعلى اقتصاد منهك ومجتمع يتفكك، يجرُّ أميركا إلى مستنقع صهيوني، إنه الوهم الأكبر الذي قد يُسقط الإمبراطورية من الداخل.
أيها العالم…أتعلم كم طفلاً يقتل كل يوم في غزة؟ أتعلم أن المستشفيات لم تعد تستقبل الجرحى لأنها هدمت وتحوّلت إلى أهداف عسكرية؟ أتعلم أن إسرائيل، بلسان أحد وزرائها قال:،سنحوّل غزة إلى مقبرة لا يجد فيها العالم حتى صورًا يشاهدها؟ لقد جنّ جنون الصهاينة وفقدوا السيطرة على أنفسهم، لأنهم للأسف يعلمون بأن معظم حكام العالم يغطون في نوم المصالح، لكن الشعب الفلسطيني لا ينام ولا ينسى ولا يركع، الموت لا يرهبه وهو من علم الموت أن الشهادة للحريّة شرفٌ لا يُمنح إلا لأصحاب الحق والأرض، يصنع من الألم وعداً، ومن الشظايا دفاترًا تدون جرائم أبشع مستعمر صهيوني وأسماء أطفال قتلوا، كانوا يحبون الحياة والحرية، هدمت بيوتهم وحرقت حتى خيامهم التي لجؤوا اليها ولكن أصبحت الجنة عند الله هي بيتهم ومأواهم الأبدي.
والسؤال: إلى أين ستنتهي أميركا وهي تُدار من مستعمرة عنصرية تدعى إسرائيل؟ إلى متى سيبقى قرارها مرهونًا بتوقيع نتنياهو؟ ومتى سيستطيع شعبها التغلب على الزيف الإعلامي وهو يرى كيف أن بلاده تُساق نحو الهاوية باسم إسرائيل أولاً؟ إلى متى سنقبل أن يشتعل العالم في كل مكان من أجل أن تشعر إسرائيل بالأمان؟
لكن الجيل الجديد في أميركا وفي العالم بأجمعه بدأ يصرخ من الجامعات والساحات ويقول بوضوح: لسنا أدوات حرب بيد إسرائيل والصهيونية، لسنا شهود زور على المقصلة، جيلٌ يرى أن سقوط غزة هو سقوط ميزان العدالة في العالم، جيلٌ قد يكتب يومًا: كنا نصرخ باسم الحرية وفلسطين، وحين حُررت، تحررنا نحن أيضاً وأسقطنا حكاماً بنيت إمبراطوريتهم على الركوع والخضوع للصهيونية.
المصدر: رأي اليوم
_____
د. أروى محمد الشاعر : أديبة وكاتبة من عائلة فلسطينية مناضلة من يافا، فهي ابنة المناضل والكاتب الفلسطيني العميد الدكتور محمد الشاعر، أحد مؤسسي منظمة التحرير الفلسطنية، الذي شغل منصب أول سفير لفلسطين في الاتحاد السوفياتي السابق ، وابنة المناضلة والناشطة الفلسطنينة وفيقة حمدي، أحد أهم رواد الحركة النسوية في فلسطين، وشقيقة الأديبة الدكتورة عالية الشاعر، وشقيقة الكاتب والدبلوماسي المعروف رامي الشاعر.
الآراء الواردة، لاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع، وإنما عن رأي الصحيفة أو كاتبها
التيار العربي المستقل تيار سياسي تنموي يعمل على العدالة الاجتماعية والديمقراطية المستدامة