وكالة وطن للأنباء- دعت الكاتبة الفلسطينية أروى محمد الشاعر المجتمع الدولي، وبالأخص القارة الأوروبية، إلى إعادة حساباتها بشأن العلاقات المتوترة بين روسيا وأوروبا، مشيرة إلى الأدوار التاريخية التي اضطلعت بها روسيا بحماية أوروبا في الحرب العالمية الثانية، ودحر النازية التي كانت تشكل خطراً ليس على أوروبا وحسب، وإنما على العالم أجمع.
وانتقدت الشاعر دعوة الزعماء الأوربيين، لرفع النفقات الدفاعية تخوفاً من خطر روسي متوهم، وضرورة الاستعداد للمواجهة.
وتساءلت الشاعر، ما مصلحة أوروبا لكي تستنزف شعوبها في سباق تسلّح عبثي مع جارتها التاريخية؟ في تجاهل واضح لدور جارتهم روسيا، كدولة أوروبية في المقام الأول؟ ومن المستفيد من دفع أوروبا إلى هذا الجنون الاستراتيجي.
وقالت الشاعر، روسيا ليست عدوة أوروبا بل هي جزء منها، جزء من نسيجها الثقافي والحضاري والتاريخي، روسيا دولة أوروبية بامتياز، ولها امتداد حضاري وفكري عميق في قلب القارة، فمتى تحولت هذه الجارة التي شاركت في صياغة وجه أوروبا إلى خطر وجودي؟.
و دعت الشاعر زعماء الاتحاد الأوروبي لقراءة التاريخ والاستفادة من تجاربة بالقول، إذا عدنا إلى التاريخ، سنجد أن روسيا لم تكن فقط طرفًا في التوازن الأوروبي، بل كانت الضامن الأكبر لانتصار الحرية على الفاشية. ولولا روسيا، لولا صمود الجيش الأحمر في وجه هتلر، هل كانت أوروبا ستبقى حرة؟ هل كانت ستنهض بعد الحرب العالمية الثانية؟ أكثر من سبعة وعشرين مليون روسي دفعوا أرواحهم ثمنًا لتحرير القارة، بينما كانت القوات الأمريكية تهبط على شواطئ النورماندي في اللحظات الأخيرة وتحتفل بالنصر الذي صنعه غيرها. ما هو المبرر لقادة أوروبا أن يسمحوا لأنفسهم بشيطنة روسيا بعد كل هذا التاريخ؟
وتابعت، أما في أوكرانيا، فالكارثة أكبر. من الذي أشعل النار؟ من الذي أطاح بالحكومة المنتخبة في عام 2014 ؟ من الذي ضخّ المال والسلاح والإعلام لخلق دولة تقف على حدود روسيا كتهديد وكشوكة في خاصرتها؟ من أتى بزيلينسكي ليكون أداة للتوتر، و ليحكم بلدًا محاصرًا بالمصالح الأمريكية والبريطانية؟ من الذي مزّق اتفاقيات مينسك وألغى كل فرص الحوار واندفع في مواجهة مسلحة لم يكن شعبه مستعدًا لها ولا راغبًا بها؟ لقد حذرت روسيا مرارًا وتكرارًا، وقالتها بوضوح: اقتربوا من حدودنا وسنرد لكن الغرب لا يسمع إلا صوته، ولا يرى إلا مصالحه، فتم استنزاف واشنطن أولاً من خلال رفع الميزانيات العسكرية، كما استنزاف شعوب الدول الأوروبية، بينما تتقلص ميزانيات التعليم والصحة والرعاية الاجتماعية؟ لماذا تُهدر الأموال على التسلّح في وقت يعاني فيه الأوروبي العادي من أزمة سكن وغلاء معيشة وتراجع في جودة الحياة؟ هل هذه هي الحرية التي وُعدتم بها؟ أم أنكم صرتم رهائن على مقاس المجمع الصناعي العسكري في واشنطن، الذي هدر أموال الشعب الأمريكي بأكثر من 38 مليار دولار خلال إدارة بايدن و دون جدوى.
وأكدت الشاعر، أن روسيا ليست التهديد الحقيقي لأوروبا، بل ضحية لحصار سياسي واقتصادي وإعلامي مستمر، والعدو الحقيقي لأوروبا ليس روسيا، بل فقدانها لاستقلال القرار، فتحول حلف الناتو من أداة دفاعية – حسب تأسيسه- إلى أداة توسع ونفوذ وإملاء، واليوم تسير أوروبا إلى حروب لا ناقة لها فيها ولا جمل، ويزرع في أرضها صواريخ أمريكية بدلًا من أن يزرع السلام.
ونبهت الشاعر- على طريقة هنري كيسنجر- من خطورة استعداء روسيا واستفزازها. وقالت، أوروبا ليست بحاجة لحرب باردة جديدة، بل إلى التفاهم، روسيا شريك لا غنى عنه إن أردتم قارة متزنة مستقرة. تذكروا أن عدوكم الحقيقي ليس من يقاسمكم القارة، بل من يزرع الفتن بينكم. وتابعت، تذكروا أن الحرب التي بدأت مع زخم خلال إدارة بايدن، وضعتكم بين مطرقة التبعية وسندان الانهيار. وما زال أمامكم وقت لتعودوا إلى رشدكم، روسيا ليست غريبة عنكم، ليست عدوكم، بل كانت دومًا الحائط الذي حمى حضارتكم من الانهيار، واستمرار هذا العداء المفتعل سيدمّر ما تبقى من وحدتكم وسيادتكم، وحان الوقت لتفيقوا وتُعيدوا حساباتكم، اسحبوا أنفسكم من جنون التبعية العمياء قبل أن تجدوا أنفسكم وقودًا لحرب ليست حربكم.
وانتقدت الشاعر نباْ دعوة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى إلغاء محاكمة بنيامين نتنياهو في قضايا الفساد. وكأن جرائم الحرب تُكافأ، وكأن القتلة يُمنحون الحصانة بمجرد أن يتقنوا فن القتل الجماعي وإبادة أصحاب الأرض. وتساءلت، هل باتت دماء عشرات الآلاف من الشهداء الفلسطينيين من نساء وأطفال وشيوخ بطولة ؟ إن العدد الحقيقي للشهداء لا يزال مجهولًا، إذ إن الآلاف ما زالوا تحت الركام، أو في المقابر الجماعية التي حفرتها طائرات الاحتلال في جنح الليل. هذا بالإضافة إلى عشرات الآلاف من الجرحى والمصابين بإعاقات دائمة، والناجين بأجساد وأرواح مكلومة باليُتم والفقد. وهل يُمكِن تبرير استمرار المجازر اليومية التي تحصد أرواح مئات إنسان فقط لأنهم وقفوا في طابور انتظار رغيف أو كيس طحين؟ وما زال نتنياهو يدّعي الدفاع عن النفس في وجه أصحاب الأرض؟ متى أصبح قتل الأطفال وتفجير العائلات داخل خيام النزوح دفاعًا عن النفس؟ أي قانون في العالم يشرّع للمجرم أن يُكمم فم العدالة بيدٍ ملوثة بالدم؟
واعتبرت الكاتبة الفلسطينية أن تبرأة نتنياهو من جرائم الإبادة الجماعية هي تجلٍّ صارخ لأخطر أنواع الفصام القيمي وإعلان إفلاس أخلاقي مدوٍّ وسقوط صارخ لقيم العدالة، وتجسيد فجّ لتحالف الدم والفساد حيث يصبح القاتل بطلاً وتُلغى المحاكمات تحت راية النفاق الدولي.
المصدر: وكالة وطن للأنباء.
____________
د. أروى محمد الشاعر: أديبة وكاتبة من عائلة فلسطينية مناضلة من يافا، فهي ابنة المناضل والكاتب الفلسطيني العميد الدكتور محمد الشاعر، أحد مؤسسي منظمة التحرير الفلسطنية، الذي شغل منصب أول سفير لفلسطين في الاتحاد السوفياتي السابق ، وابنة المناضلة والناشطة الفلسطنينة وفيقة حمدي، أحد أهم رواد الحركة الأدبية والنسوية في فلسطين، وشقيقة الأديبة الدكتورة عالية الشاعر، وشقيقة الكاتب والدبلوماسي المعروف رامي الشاعر.
الآراء الواردة لاتعبر عن رأي الموقع، وإنما عن رأي الصحيفة أو كاتبها.
التيار العربي المستقل تيار سياسي تنموي يعمل على العدالة الاجتماعية والديمقراطية المستدامة