في أواخر ديسمبر1917 وفي يوم ماطر خسرت القوات العثمانية المعركة غير المتكافئة أمام القوات البريطانية، قبل أن يدخل الجنرال البريطاني إدموند هنري اللمبي القدس من باب الخليل مشياً، ومهدياً النصر إلى الأمة البريطانية وحكومتها التي انقلبت على العرب بالتزامن مع الوعد المشؤوم ” وعد بلفور”.
وفاءً لذكرى ” اللمبي” وبعد معاهدة السلام بين إسرائيل والأردن أطلقت دولة الاحتلال اسم ” معبر اللنبي” على الجسر الوحيد الذي يربط الضفة الغربية بالأردن ، وبالتالي فهو نقطة الدخول والخروج الوحيدة لفلسطيني الضفة الغربية.
أمس، وبعد مئة عام ونيف يستنهض الأردني ماهر الجازي الحويطي ذاكرة التاريخ حين عَبَرَ ” جسر اللمبي” وأقدم على قتل ثلاثة جنود إسرائيليين، مفززاً من جديد الجنرال اللمبي في قبره، ومن على المعبر الذي خلد فيه الصهاينة اسمه، كذكرى للإرهاصات الأولى لوعد بلفور وتأسيس دولة الكيان.
لم يستفز “الحويطي” الذاكرة البريطانية والصهيونية وحسب، لكنه استنهض في الوقت ذاته الذاكرة الفلسطينية والعربية في مواجهة التاريخ العصي على النسيان. كيف لا، وماهر جازي الحويطي هو امتداد آخر لأجيال وأجيال من سيرورة الدم الفلسطيني والعربي. كيف لا، وهو من الجيل الذي يسمع ويرى اليوم مجازر الإبادة الجماعية بحق الأطفال والشيوخ والنساء الهائمون على وجوههم في العراء، فتتحول حكايات والده وجده إلى واقع ماثل أمامه.
مئة عام ونيف مرت منذ دخول الجنرال اللمبي القدس، ومن يومها لم تتوقف سياسات الاحتلال والقهر والتشريد، كما لم ولن تتوقف مشروعية الأجيال في المطالبة بالحق الفلسطيني المقدس.
عن معنى التاريخ ذاته، ماهر الحويطي هو ابن العائلة العربية الأردنية التي ينحدر منها جده الشهيد الحاج هارون الجازي الحويطي أحد أهم قادة معارك التحرير وقائد سرية متطوعي عشيرة الحويطات في معركة القسطل ومعارك باب الواد واللطرون التي خاضها جده ضد الاحتلال البريطاني والعصابات الصهيونية الاستيطانية.
إذاً مَنْ يتوعد نتنياهو بعد الحادثة؟!. هل يتوعد التاريخ أم الذاكرة، أم يتوعد المستقبل الآتي من أبناء وأحفاد أولئك الذين فجعوا بمعيلٍ لهم أوعزيز عليهم.
هل يتوعد نتنياهو التاريخ والثقافة والمقدس والجغرافيا، كما تجاهله ثنائية الثابت والمتحول في السياسة عندما يضع القضية الفلسطينية في لعبة الأوراق السياسية، وكأن القضية الفلسطينية ولدت كأحد مخرجات حالة الصراع الدولي والإقليمي الحالي، وليست أحد أهم مدخلاته متناسياً أنها قضية أقدم من دولته ذاتها، وأقدم من بنية النظام الدولي وتجاذباته اليوم.
في الثابت والمتحول أيضاً، ليست القضية الفلسطينية قضية الفلسطيني وحده، وقد قالها الحويطي أمس، حين ربط نضالات جده في القسطل كأحد الآلاف من المتطوعين العرب الذين هبوا لنصرة أخوة الدم والتراب.
ليس أصعب من أن تتحول أكبر عملية سطو مسلح، وأفضع عملية تهجير واحتلال في التاريخ المعاصر إلى محور أو ورقة سياسية، في تجاهل واضح لحق تاريخي وإنساني متأصل في العقلية الفلسطينية، كما تجاهل لأبسط مبادئ القانون الدولي وحق تقرير المصير لشعب اجتث من أرضه ليُرمى في الشتات.
اتهامات نتنياهو ومعها مواقف بايدن أشبه من يحاول تضميد جرح نازف دون معالجته، متناسين أن القضية الفلسطينة أصبحت اليوم وأكثر من أي وقت مضى، هي القضية التي يدور في فلكها الاستقرار والسلام في الشرق الأوسط، وهي حقيقة راسخة ومتجذرة في عقلية و ثقافة وفكر وأدب وفلسفة الفلسطيني والعربي الذي مازال يحمل قضيته المركزية كمقدس.
إنها قضية الفلسطيني الذي مازال يحتفظ بمفاتيح بيته وأرضه التي تحولت إلى مستوطنات و” غيتوات” من الخوف والرعب. وهي أيضاً قضية العربي الذي تتزين جدران بيته بصورة القدس وحطة الفلسطيني التي مازالت تلهم الأجيال أنْ ” لايموت حق وراءه مطالب”.
الكاتب: التيار العربي المستقل
التيار العربي المستقل تيار سياسي تنموي يعمل على العدالة الاجتماعية والديمقراطية المستدامة