أخبار ||

الشاعر: على الدول العربية التوحد في مواجهة انتهاك السيادة العربية والانضمام إلى ” بريكس” بعقيدة عربية موحدة.

تقف المنطقة العربية لأول مرة في تاريخها المعاصر أمام تحولات قسرية مخيفة في خضم انقسام عربي حاد على الصعيدين الرسمي، ولأول مرة على الصعيد الشعبي أيضاً، مايعزز التحولات التاريخية لمشروع تفتيت المنطقة بدءاً من مشروع الشرق الأوسط الجديد مروراً بـ ” مشروع الفوضى الخلاقة” وانتهاء بـ ” مشروع الشقيقة الكبرى إسرائيل”، والذي ينتهي في مراحل لاحقة بمشروع تحويل دول الخليج العربي إلى شركات نفطية ليس إلا، كفكرة تم طرحها منذ عقود من الزمن في دوائر القرار الأمريكي.

بالتوازي مع ذلك وبكل أسف، مازالت الانقسامات والخلافات العربية تسير على قدم وساق وفي إطار زمني ممنج بدءاً من اتفاقية كامب ديفيد التي قصمت ظهر النظام الإقليمي العربي ووضعته أمام محورين وهمين بماعُرف بـ ” محور الاعتدال” و ” محور الممانعة” الذي وضع المنطقة العربية في خانة عدم التناسق في المكانة الإقليمية، فقد خسر النظام الإقليمي العربي موقعه في المنطقة لصالح قوى إقليمية جديدة ( تركيا وإيران) اللتين ستعطيان الأولوية – دون شك- لمصالحهما القومية الذاتية وتقدمها على أية مصالح أخرى، وهذه بديهية في إطار فكرة المصالح في النظام الدولي.

في تسعينيات القرن الماضي غلف شمعون بيريز مشروع الشرق الأوسط الجديد بغلاف من السولفان معترفاً ” بعدم جدوى القضاء على العرب والفلسطينين كأمة معادية” وطارحاً – أي بيريز- في الوقت ذاته فكرة التكامل الاقتصادي بين إسرائيل والدول العربية في غاية مؤداها استبدال فكرة الأرض مقابل السلام بالأمن مقابل السلام، وذلك بتحويل البلاد العربية إلى أسواق للبضائع الإسرائيلية، وهي الفكرة التي فشلت لأسباب كثيرة في مقدمتها سيكولوجية العربي في تقبل الصهويني ومنتجاته في أسواقه، بدون حلول جذرية لقضيته المركزية فلسطين.

بالرغم من ذلك ظل الصوت العربي موحداً في غالبية القضايا المركزية، ولم تهدأ حركات المقاومة الفلسطينية والتي تصاعدت أكثر فأكثر مع بدايات الثمانينيات والتسعينيات سواء في الداخل متمثلة بانتفاضة الحجارة أو العمل العسكري الذي شل الداخل الإسرائيلي عندما كانت منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني بمن فيهم جميع الفصائل الفلسطينية المسلحة.

المرحلة الثالثة من مشروع تقسيم وتفتيت المنطقة كانت مع بداية الألفية الجديدة وبروز فكرة “الفوضى الخلاقة” التي روجت لها وزيرة الخارجية الأمريكية  كوندا ليزا رايس والتي بدأت مع مايعرف بـ ” فكرة تغيير وجوه الخارطة السياسية”.  ومع اغتيال ياسر عرفات واحتلال العراق بالاستناد إلى كذبة أسلحة الدمار الشامل وانتهاء بفكرة ” الربيع العربي” الذي تم استغلاله بشكل ممنهج لتفكيك الدولة الوطنية وتدمير مؤسساتها، دفعت الشعوب العربية ثمن ذلك قتلاً وتهجيراً وجوعاً وفاقة كمرحلة قطعت أشواطاً كبيرة في إطار مايعرف بـ ” الفوضى الخلاقة” التي نعيشها اليوم. وفي إطار التقسيم والتفتيت ذاته يتم الدفع اليوم بمجموعات إثنية – من حيث تدري أو لاتدري-  سواء منها الكردية أوالأمازيغية أوالتركمانية أوالسريانية أوالعشائرية العربية نحو ما يتسق مع الفكرة النهائية لمشروع ” الشقيقة الكبرى إسرائيل” وذلك بتحويل المنطقة إلى مجموعات من الكيانات الصغيرة المفتتة والمتناحرة والتي ستكون في نهاية المطاف يداً عاملة للاقتصاد الإسرائيلي وبالتالي تطبيق فكرة” الأمم والجويم” أو السادة والعبيد.

أولى خطوات هذا المشروع بدأت مع تعالي الأصوات بتقسيم سورية، وهاهي القوات الإسرائيلية تتخطى الحدود السورية من القنيطرة في غاية واضحة- على طريقة اجتياح بيروت 1982 – حيث الإبقاء على دمشق كما هي، والاعتراف بباقي الكيانات كلٌ في مكانه، و منتصراً على طريقته، مايعني تقسيم سورية بشكل عملي ورضائي، بما يمهد للاعتراف بها كدويلات إثنية وطائفية وعشائرية.

اليوم وبكل أسف، إذا بقيت إرادة الدول العربية مشلولة ومواقفها مشتتة، سيكون تقسيم سورية هو الأسهل،  حيث تغيب الإرادة العربية في الوقت التي تمتلك كل مقومات الإرادة والقوة لو أنها أخذت بزمام المبادرة في هذه اللحظة التاريخية.

 إن تقسيم سورية وغيابها عن الخارطة، هو المقدمة الرئيسية لمشروع محونا الثقافي والجغرافي،  فموتنا السريري هذا يؤهلنا أكثر من أي وقت مضى لنكون شعوب مقسمة وتائهة بلا هوية، كحالة تؤسس في نهاية المطاف للمرحلة الأخيرة من المشروع بالعمل على تحويل دول الخليج العربي إلى شركات نفطية عاملة في الصحراء، وحينها لات ساعة مندم .

لقد أصبح لزاماً على الدول العربية أن تجد مكاناً لها وسط هذا التسارع من الانهيارات التي ستطال الدول العربية جميعها بدون استئناء تماماً كما أحجار الدومينو ، في الوقت الذي لاتحتاج فيه سوى الإرادة والإرادة فقط، في عالم يتجه نحو صعود قوى جديدة وإرادات جديدة، وفي إطار نظام دولي جديد يفتح ذراعية لتعددية قطبية قادرة على خلق توازن دولي، وليس قليلاً على الدول العربية بأن تكون أهم أطراف هذا النظام.

في هذا السياق عبر الكاتب والدبلوماسي الفلسطيني رامي الشاعر في مقالة له على صحيفة ” رأي اليوم” عن إشادته بموقف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين من قمة “بريكس” في عاصمة جمهورية تتارستان الروسية قازان عن تغييرات جذرية تطرأ اليوم على العالم المتعدد الأقطاب، في الوقت الذي تضطلع فيه دول “بريكس” العشرة بمسؤوليتها عن الوضع في العالم “بالأفعال لا بالأقوال” على حد تعبير الرئيس. وتابع بوتين خلال كلمته الافتتاحية باجتماع قمة “بريكس” السادسة عشر: “إن جميع دولنا تدافع عن المساواة وحسن الجوار والاحترام المتبادل، وتؤكد المثل العليا للصداقة والتفاهم، من أجل رخاء ورفاهية العالم، لا بالكلمات وإنما بالأفعال، حيث تظهر هذه الدول مسؤوليتها عن مستقبل العالم، وتسهم بشكل كبير في حل المشكلات الإقليمية الملحة”.

ودق الشاعر ناقوس الخطر الذي يهدد سيادة الدول العربية قائلاً، نحن في المنطقة العربية نعاني من التمادي في التعدّي على السيادة، سيادة الدول والأراضي والشعوب، ولا يمكن إيقاف مثل هذا التمادي الفج والصارخ والعربيد إلا بموقف عربي موحد واضح وصريح.

وأضاف عارضاً تجاهل الدول العربية وقياداتها لمكامن القوة لدى العرب قائلاً ، إننا نتحدث ونقرأ ونكتب جميعاً بلغة تقترب أو تبتعد عن اللغة العربية الفصحى بدرجات متفاوتة، وندين بديانات إبراهيمية ثلاث نزلت جميعا على منطقتنا المقدسة والسعيدة والتعسة في آن واحد، ونواجه جميعاً مصيراً مشتركاً مرتبط بالأرض والماء والسكان والموارد، ونمارس ثقافات قد تختلف في أشكالها وأطيافها وألوانها، إلا أنها ذات قاعدة يمكن أن توصف بأنها “واحدة” أو قريبة من ذلك. مع كل ذلك، وبرغم تمتع كل دولة من الدول العربية بسيادة معترف بها دوليا، وبرغم تمتعنا، وفقا لما سبق، بما يمكن وصفه بـ “هوية” أقرب ما تكون إلى أن تكون “موحدة”، إلا أننا نسعى، وبأشكال مختلفة، إلى البحث عما يفرق ولا يوحد، وتجد في مواقفنا وجدالاتنا ونقاشاتنا ما يقترب من التناحر إن لم يكن القتال والصراع والأزمات.

وتابع ، إن لدينا جامعة دول عربية، ومجلس للقمة العربية يتناوب على رئاسته سنويا رؤساء الدول العربية، يترأسه في الدورة الحالية ملك البحرين الشيخ حمد بن عيسى آل خليفة، والذي قام بخطوة في غاية الأهمية، فور ترأسه القمة هذه الدورة، حيث قام بزيارة عمل إلى روسيا، صدر بعدها سلسلة من المقالات الهامة التي تطرح ضرورة وأهمية وجود دور عربي فاعل وأصيل يليق بعراقة هذه الأمة. إنّ من بين تلك المقالات مقال الكاتب الدكتور نبيل العسومي، الذي اتفق مع ما ذكرته في إحدى مقالاتي بشأن الاتفاق على عقيدة عربية موحدة، تواجه كل التحديات التي يواجهها عالمنا العربي، وأن يكون للعرب ولمجلسهم الرئاسي دور فعال يحسب حسابه بكل ما تحمله الكلمة من معنى، فيما يختص تحديدا بحماية سيادة أي دولة عربية، بما يعني أن أي اعتداء على أي دولة عربية يمثل اعتداء على جميع الدول العربية، وأي مساس بالأمن القومي لأي دولة عربية، يمثل مساساً بالأمن القومي للدول العربية جمعاء.

وبالعودة إلى قازان قال الشاعر، إن ذلك يمكن أن يعني فيما يعني أن تشارك الدول العربية على اختلاف مواقفها، واستنادا إلى انتمائها إلى دول الجنوب والشرق العالمي، التي تسعى لكي ترفع صوتها كي يصل إلى آذان العالم، وما يسمى بـ “المجتمع الدولي” الذي تهيمن عليه الدول الغربية، أن تشارك هذه الدول العربية في جهود انتقال النظام العالمي من الأحادية القطبية إلى التعددية القطبية، وهي أجواء “تعزيز التعددية من أجل التنمية والأمن العالمين العادلين”، الشعار الذي أطلقته قمة “بريكس” السادسة عشرة.يضمن ذلك بالتبعية استعادة هيئة الأمم المتحدة لهيبتها واحترامها وتنفيذ كافة قراراتها، وهو المقصود بمصطلح “العقيدة العربية الموحدة”، التي ما أشد ما نحتاجها اليوم لإنقاذ الشعبين الفلسطيني واللبناني من المحنة التي يمران بها، وكذلك من المخاطر التي تهدد سوريا والأردن والعراق واليمن، حيث يسعى البعض لسكب مزيد من النيران على برميل البارود في الشرق الأوسط.

وأكد الشاعر على ضرورة توسيع مشاركة الدول العربية بمجموعة بريكي قائلاً، إنه من الجيد أن تشارك بعض الدول العربية في “بريكس” (مصر والإمارات والمملكة العربية السعودية)، ومن الجيد أيضا أن تكون هناك إيران، ممثلة لإحدى أكبر القوى في المنطقة، وربما يكون رائعاً إذا ما انضمت أو قامت “بتوسيع مشاركتها” تركيا أيضا، على حد تعبير الرئيس رجب طيب أردوغان، إلا أن ذلك وحده لا يكفي، لأن هذه المجموعة بالأساس ليست حلفا، وليست موجهة ضد أحد، ولا ينبغي أن تكون أو نسعى نحن لذلك، وإنما هي جهود حميدة تستهدف التنمية والازدهار والتعاون الاقتصادي بعيدا عن الإملاءات والعقوبات والحصار الاقتصادي وهيمنة الدولار الذي تستخدمه الولايات المتحدة لا كعملة احتياطية وإنما كسلاح، وكـ “عصا الشرطي” الذي يتعهد بـ “الحفاظ على أمن العالم” دون أن يطلب منه أحد ذلك، وإنما برغبة خبيثة للهيمنة على موارد ومقادير الدول ومصائر شعوبها.

وحول دور التعاون الاقتصادي في توجيه السياسات الدولية اليوم حث الشاعر الدول العربية للانضمام بعقيدة عربية موحدة قائلاً، أقول إن كل هذا قد يكون جيداً، وقد يكون مهما أيضا أن يكون للدول العربية دور للمشاركة في هذه المنظومة الاقتصادية الجديدة للتعاون والتبادل الاقتصادي، إلا أن الأهم والفيصل هو أن يكون للدول العربية صوت واحد في مجال السياسة والأمن، أن تكون هناك “عقيدة عربية موحدة” تدافع عن الإنسان العربي أينما وكيفما كان. ويعود ذلك لما تملكه منطقتنا الغنية من موقع استراتيجي بين البحر الأحمر والأبيض المتوسط وعلى مضيقي باب المندب وهرمز، إنها سرة العالم، التي يجب عليها أن تضطلع بدور مؤثر في انتقال العالم إلى أجواء دولية جديدة عادلة تحترم سيادة جميع الدول بصرف النظر عن حجمها أو عن ناتجها المحلي الإجمالي.

وطالب الشاعر الدول العربية بوقفة موحدة في مواجهة الغرب قائلاً، إن ما يقوم به الكيان الصهيوني من إملاءات على الدول العربية والغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية، وما يصاحب ذلك من تهديدات بفرض عقوبات على من يتعامل مع روسيا أو مع إيران أو مع الصين، يحتاج إلى وقفة عربية موحدة ترفض كل هذه التهديدات والإملاءات التي يمارسها اللوبي الصهيوني الأمريكي ضد عالمنا العربي والشرق أوسطي. وما يقوم به الجيش الإسرائيلي والقيادة الإسرائيلية من استعراض للقوة والقدرة على تدمير أي منشأ أو موقع حيوي أو استراتيجي أو تدمير مدن بأكملها لا يندرج سوى تحت بنود الهمجية والوحشية والتطهير العرقي والإبادة الجماعية.

وتابع، آمل أن يتجاوب جميع الزعماء العرب مع جهود ملك البحرين الشيخ حمد بن عيسى آل خليفة التي طرحها منذ بداية توليه منصب رئاسة مجلس القمة العربية لعقد مؤتمر دولي للسلام في الشرق الأوسط، ولا أظن أن هناك أمل في إنقاذ فلسطين ولبنان من استمرار مسلسل القتل والدمار إلا من خلال جهود ومحاولات عربية قبل الدولية لتردع الاستهتار بقيمة الإنسان العربي، لا سيما الفئات الأكثر هشاشة من النساء والأطفال والشيوخ، وكذلك الاستهتار بسيادة الدول.

وأضاف، لا شك أن قمة “بريكس” في قازان هي المناخ الأكثر ملائمة لطرح مثل هذه المبادرة، لا سيما في وجود الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ورئيس دولة الإمارات العربية المتحدة محمد بن زايد آل نهيان والرئيس الفلسطيني محمود عباس، وأعتقد أن روسيا لن تبخل بأي دعم في هذا الشأن. لا بد من البدء فورا بمبادرة تؤكد على التصميم العربي للوقوف صفا واحدا أمام العدوان الإسرائيلي الغاشم على الأراضي الفلسطيني واللبنانية على مسمع ومرأى من العالم أجمع.

وختم بالقول، آمل أن يتضمن البيان النهائي لقمة “بريكس” فقرة تدعم الشعوب العربية في نضالها ضد المحتل الإسرائيلي الذي تمادى في تعديه على الكرامة والإنسانية والحق في الحياة للشعبين الفلسطيني واللبناني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.