(مبــــــــــادرة)
لوس انجلوس – دمشق – الناس نيوز
طرح السياسي السوري الدكتور محمد الشاكر أستاذ القانون الدولي مبادرة تشمل جميع المكونات السورية ، بهدف بناء سورية الحديثة التي تكون فيها سيادة القانون المرتكز الأساس لحماية الجميع والعيش المشترك هنا نصها .
سورية؛ واقتناص اللحظة التاريخية قبل فواتها
مقدمة
تقف سورية اليوم أمام مفترق طرق بعد أن طوى السوريون بتضحياتهم صفحة جمهورية الخوف، والكبت، وانتهاك الكرامة، وعبادة الشخص، والأهم؛ أنهم طووا صفحة الحزب الواحد، والقرار الأوحد، والإيديولوجيا الواحدة، والزعيم الأوحد في بلد قدره التسامح، وقبول الآخر، و التعايش السلمي، كثقافة وهوية تفرّد بها العقل الجمعي السوري تاريخياً؛ فدمشق التي قدمت للإنسانية أولى إرهاصات الدولة المدنية، منذ أن سادت الشرق والغرب من الشام إلى الأندلس.
…
باختصار؛ يقف السوريون اليوم أمام استحقاقات ماقدموه في سبيل الحرية والكرامة، غير متنازلين عن شعارهم الذي هتفوه من أجل وحدة بلادهم وسيادتها (الشعب السوري واحد) في نأي واضح عن أية أيديولوجيا، أو طائفة، أو إثنية، أو حزب، أو فصيل.
تأتي هذه المبادرة كنداء للسلطة والحكومة المتواجدة اليوم على سدة الحكم في دمشق، من أجل إطلاق حوار سوري سوري، وهي دون شك بيدها – في هذه اللحظة التاريخية- مفاتيح جميع الأبواب المغلقة، وقد قبلوا على أنفسهم تحمل المسؤولية التاريخية في أعقد وأصعب مراحل التاريخ السوري، كمسؤولية أمام الله أولاً، والتاريخ ثانياً. وأية مسؤولية أصعب من تلك المحملة بعذابات الأطفال المشردين في المخيمات، ودموع الأمهات الثكالى، وغبار البيوت التي تحولت ركاماً، قبل أن تتقطع السبل بساكنيها.
يشير تتبع الوقائع التاريخية التي تشبه الحالة السورية إلى أنّ الدول التي خرجت من أتون نزاع طويل، انتهى برحيل نظام مستبد، غالباً ماتكون مرحلة محفوفة بمخاطر عودة النزاع، أو الانزلاق إلى حرب أهلية- لاقدر الله- إذ تتبدى بسبب طول الفترة الزمنية الكثير من التصدعات والانقسامات السياسية، والمجتمعية، والأخلاقية، والاقتصادية، والنفسية، مايؤسس لولادة صرعات بينية متشظية؛ بسبب محاولة القوى المحلية الاستئثار بمناطقها. لذلك تصبح الحاجة ملحة للبدء بآليات بناء الدولة ومؤسساتها بأسرع مايمكن.
تشكل هذه المبادرة محاولة لمد الجسور بين السوريين، ورسم الخطوط الأولية لخارطة طريق تتلائم و خصوصية الحالة السورية في إطار ما يُعرف بـ” آليات بناء الدولة في مراحل مابعد النزاع”، ومن خلال جملة من المدخلات الأولية لهذه العملية الطويلة والمعقدة.
بنود المبادرة
بناءً على ماتقدم؛ تدعو هذه المبادرة إلى البدء بالإجراءات التنفيذية التالية:
- إنشاء جمعية تأسيسية مؤقتة تنعقد في دمشق، وبأسرع مايمكن، تضم ممثلين من جميع المحافظات السورية ومن جميع أطياف الشعب السوري، وفئاته المجتمعية، ونقاباته المهنية.
- تعمل الجمعية التأسيسية على دستور مؤقت، يسبقه مايلي:
– بحث الأسباب البنيوبة التي أدت إلى هذه الهزة العنيفة التي عصفت بالشعب السوري بسبب الاستبداد، والعمل على تلافي أسبابها، بما يؤدي إلى سلام سوري مستدام، وعدالة اجتماعية.
– العمل على حسم القضايا العالقة، وإيجاد توافقات بشأنها.
-البدء بعمليات بناء الدستور كعملية ماقبل دستورية طويلة وشاقة.
– بحث المسائل الجوهرية التي تتسق ورغبة الشعب السوري، مثل الاتفاق على شكل الدولة، وطبيعة نظام الحكم، والمبادئ الأساسية.
-التعامل مع الماضي وبناء السلام المجتمعي بين كل السوريين.
3- ضع الجمعية التأسيسية في مقدمة أولياتها خصوصية الحالة السورية، وذلك بإدراج مسألتي تداول السلطة، والحقوق الطبيعية كمبادئ فوق دستورية غير قابل للتعديل.
4-أعضاء الجمعية التأسيسية هم بمثابة هيئة عامة، تقترح وتناقش الدستور المؤقت من الناحية الموضوعية، وتعمل الهيئة العامة على انتخاب أو تعيين مجموعة من الخبراء تسمى” لجنة صياغة الدستور”، تضطلع بمهام كتابة وصياغة الدستور المؤقت من الناحية الشكلية والتقنية.
5-تقوم لجنة صياغة الدستور بإعداد دستور مؤقت، يحدد الصلاحيات والاختصاصات وطبيعة العلاقة بين المؤسسات الدستورية الثلاث، التشريعية والتنفيذية والقضائية.
6-يقود” الدستور المؤقت ” المرحلة الانتقالية، قبل الاستفتاء الشعبي عليه؛ فإما تعديله، وإما إقراره ليصبح دستوراً دائماً.
7-إنشاء هيئة للعدالة الانتقالية، تعمل على التحقق في الانتهاكات التي ارتكبت بحق الشعب السوري من كل الأطراف، والتحقيق بها ، وجبر الضرر، للحيلولة دون عمليات انتقامية أو انقسامات مجتمعية.
8- نشاء مفوضية عليا للانتخابات، تعمل على التحضير لانتخابات برلمانية ورئاسية حرة ونزيهة بإشراف الأمم المتحدة.
9- تعمل الجمعية التأسيسية بالتوازي مع مجموعة عمل تنفيذية، بحيث يتم توجيه الدعوات من قبل السلطة أو الحكومة في دمشق إلى الخبراء والأكاديميين والتكنوقراط كل في اختصاصة، للنهوض بمؤسسات الدولة إدارياً، واقتصادياً، وتنموياً، وسياسياً.
10- إعادة هيكلة الجيش السوري، ودعوة الضباط المنشقين، والفصائل، وإدماجهم في المؤسسة العسكرية.
ختاماً؛ تشكل هذه المبادرة دعوة لتلاقي السوريين من جميع أطيافهم في الداخل والخارج. فالسوريون اليوم بحاجة إلى حل لايوقف الحرب وحسب، وإنما يقيم الدولة؛ ميقنين أننا أمام مهمة صعبة ، لكنها ليست مستحيلة، فتجارب الشعوب الحية تنبأنا بأن المعضلات الكبيرة هي الفرصة الأنسب للحلول الكبيرة.
عاشت سورية حرة كريمة موحدة.
في 12 كانون أول/ ديسمبر 2024
د. محمد الشاكر.
– أكاديمي وسياسي سوري.
– خبير دولي متخصص بعمليات بناء الدساتير، وآليات بناء الدولة في مراحل مابعد النزاع.
المصدر: الناس نيوز.
التيار العربي المستقل تيار سياسي تنموي يعمل على العدالة الاجتماعية والديمقراطية المستدامة