يبدو أن الرئيس الأكراني زيلنيسكي قد أوقع الشعب الأكراني في فخ عدم قدرته على قراءة التحولات الطارئة على بنية المجتمع الدولي وفي مقدمتها سياسة الانكفاء الأمريكي عن المعضلات الدولية، في سياسة مؤداها ترك القوى المحلية تحل مشاكلها بنفسها، وهو مامهد – منذ أكثر من عقد من الزمن- إلى بداية تبلور نظام متعدد الأقطاب يجنح لنوع من التكاملية السياسية والاقتصادية مع طرفين سياسين/ اقتصاديين هما روسيا والصين، وهي الثنائية التي دفعت بمواقف الولايات المتحدة للتخلي عن فكرة مهامها الدولية بالاتساق مع البنية الجديدة للنظام الدولي، التي أكدتها إدارة ترامب البراغماتية، بدءاً من الترويج لثقافة التخلي عن فكرة الشريك الجيوستراتيجي المفترض متمثلاً في أوروبا الغربية وحلف التاتو، إذ بدأت الولايات سياسات جديدة متعلقة بعدم قدرتها على صرف ميزانيات الدفاع لمجموعة حلف الناتو، وأن على هذه الدول أن تضطلع بحماية نفسها بنفسها، كما أكدتها تخلي الولايات المتحدة عن الكثير من المنظمات الدولية التابعة للأمم المتحدة وتقليص ميزانياتها في هذا المجال، الأمر الذي يعكس رغبة أمريكية في التخلي أيضاً حتى عن مواقفها الدولية داخل الأمم المتحدة، وبالتالي إعادة النظر في تأثيرها في القرار الدولي، وهي التداعيات التي ستلقي – دون شك- بظلالها على الشرق الأوسط وفي مقدمتها القضية المركزية للعرب والمسلمين فلسطين، ولهذا كله تلعب المملكة العربية السعودية اليوم دبلوماسية نشطة كوعاء للمحادثات الروسية الأمريكية من جهة، وكطرف أساسي في قضايا المنطقة وفي مقدمتها الدفع نحو قيام الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس.
في هذا السياق قال الدبلوماسي والكاتب الفلسطني رامي الشاعر، إنّ نظام زيلينسكي وما تبقى من الجيش الأوكراني على شفا الانهيار، وأن قيام الدولة الفلسطينية أصبح ضرورة ملحة في هذه اللحظة التاريخية، ولقاء الرياض حدد طريق النهاية.
وتابع الشاعر في حديث له على صحيفة ” رأي اليوم”، لقد صرح جي دي فانس نائب الرئيس الأمريكي بأن إدارة ترامب تسعى إلى سلام طويل الأمد في أوروبا، وأكد على ضرورة وقف القتال في أوكرانيا وتسوية النزاع.يأتي ذلك على خلفية حراك دبلوماسي وسياسي نشط إثر مكالمة بين الرئيسين الروسي فلاديمير بوتين والأمريكي دونالد ترامب الأسبوع الماضي دفعت على الفور بمحادثات بين وفدي البلدين جرت في الرياض هذا الأسبوع، والتي خرج منها الوفد الروسي بتعليق واضح ومحدد بأن اللقاء كان “إيجابيا”، فيما قال مساعد الرئيس الروسي يوري أوشاكوف إن المحادثات كانت “مقبولة”، أو كما يمكن ترجمته حرفيا عن اللغة الروسية “ليست سيئة”. من الجانب الأمريكي وصف ترامب المحادثات بأنها كانت “جيدة”.
وأضاف الشاعر، تابع جي دي فانس، خلال مؤتمر المحافظين المنعقد في واشنطن: “إن الرئيس لا يريد وقف الحرب فحسب، بل يريد تحقيق سلام طويل الأمد في أوروبا، لأنه يفهم أن السلام يخدم مصالح روسيا وأوكرانيا وأوروبا، لكن الأهم من ذلك، أنه يصب في مصلحة الشعب الأمريكي”.كذلك أكد فانس على أن القوات المسلحة الروسية تتمتع بتفوق عددي على نظيرتها الأوكرانية، وأن عمليات إرسال الأسلحة الجديدة إلى كييف لن تكون مفيدة، مضيفا أن الرئيس الأمريكي يتعامل مع الحقائق على الأرض، ومن بينها التفوق العسكري للقوات الروسية. ثم كتب على منصة X للتواصل الاجتماعي: “الروس يتمتعون بتفوق هائل في العدد والعتاد بأوكرانيا، وسيستمر هذا التفوق رغم المساعدات الغربية الإضافية”.
وحول الدور المركزي للمملكة العربية السعودية قال الشاعر، من الرياض أكد ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان التزام المملكة ببذل الجهود لتعزيز الأمن والسلام في العالم، كما أعرب الأمين العام لحلف “الناتو” عن تفاؤله بمبادرة ترامب للسلام في أوكرانيا.
وأشار، أتصور أن ما حدث في الرياض كان بمثابة “لقاء تعارف” من جديد، فقد مرت سنوات لم يلتق فيها مسؤولو البلدين، ولم يلتق الرئيسان منذ 4 سنوات، وقد جرت مياه كثيرة معظمها في القنوات الخطأ. وقد بيعت للغرب وللمواطنين الأمريكيين بواسطة عصابة كييف، ومنشقين روس، وبتمويل وتنسيق جهات ومؤسسات أمريكية طالما استهدفت زعزعة استقرار الدول حول العالم ومن بينها، وربما على رأسها روسيا، بيعت سردية أن “النظام الروسي على وشك الانهيار”، و”الاقتصاد الروسي على وشك الانهيار”، ولا تحتاج العصابة النازية في كييف إلا مزيد ومزيد ثم المزيد من الأموال والأسلحة. وقد رأينا الرئيس الأوكراني المنتهية ولايته فلاديمير زيلينسكي يتجول بين العواصم الأوروبية يمد يده بلا خجل أو حياء، ويلعب دور “محرر أوروبا” و”المدافع عن القيم الأوروبية” و”حامي حمى الديمقراطية في العالم”. وقد استجاب ولا يزال البعض يستجيب لاستجداءاته ويرسلون سلاحا يصنعونه أو يشترونه بأموال دافعي الضرائب الأوروبيين، الذين تم تصدير رواية “أوكرانيا المسكينة” لهم.
وحول محورية ماجرى في أكرانيا، أرجع الشاعر الموقف الأمريكي إلى جنوحه إلى أدبيات التفاوض وأس المشكلة قائلاً، اليوم، وبعد لقاء الرياض أنصت الأمريكيون، وللمرة الأولى، للرواية الروسية التي ساقها الرئيس بوتين وظل يسوقها منذ العام 2007 في مؤتمر ميونيخ للأمن. وهي أن السبب الرئيسي لكل ما حدث من نزاعات هو تمدد حلف “الناتو” شرقا، وأوكرانيا لا يمكن أن تكون عضوا في هذا الحلف، ويجب ضمان حقوق الروس، واستعادة الأراضي الروسية تاريخيا، بعد أن ثبت بالدليل القاطع أن النظام في كييف لا يؤتمن عليهم، وشن عمليتين عسكريتين ضد سكان تلك الأراضي، وكان على وشك أن يشن عملية ثالثة.
وأكد الشاعر أن روسيا مازالت تنتظر التطبيق العملي لفكرة التقارب معرباً أن التوافق اليوم لايعني الاتفاق قائلاً، لا نقول إن المواقف “تقاربت” أو حتى توصلت إلى أي أرضية مشتركة، لكن الحوار قد بدأ، وبدأت الدبلوماسية تأخذ مجراها، وسيعيد الجانب الروسي دبلوماسيين أمريكيين، والجانب الأمريكي دبلوماسيين روس، وسيتم البحث في استعادة المنشآت الدبلوماسية التي استولت عليها الإدارة الأمريكية السابقة بغير وجه حق. وأعتقد أن مزيدا من الخطوات الإيجابية في طريقه إلى التنفيذ على أرض الواقع، كبادرة حسن نوايا من الطرفين، وأتوقع أن يتم اللقاء المرتقب بين الرئيسين الروسي والأمريكي خلال أشهر قليلة إن لم يكن خلال أسابيع.
وأضاف، لا زالت الهوة واسعة بين ما يريده الكرملين وما يراه البيت الأبيض “سلام طويل الأمد في أوروبا”، فروسيا لديها اليوم رؤية شاملة للأمن الأوروبي والأمن الأوراسي والأمن العالمي، فعصر الهيمنة الأمريكية يتوجه نحو نهايته، وتعافي النظام الدولي إنما يأتي من استيعاب النخب الأمريكية لهذه الحقيقة، وتوقفها عن بيع الوهم لشعبها. والرؤية الروسية الشاملة تتضمن اعتناء بدول الجنوب العالمي في إفريقيا وأمريكا اللاتينية وآسيا، وتتضمن عودة لميثاق الأمم المتحدة، وللقانون الدولي الذي يسري على الجميع دون استثناءات. تتطابق رؤية روسيا مع رؤية رابطة “بريكس” التي تم التعبير عنها في قمة قازان العام الماضي، والتي اتفق عليها أغلبية شعوب العالم، رؤية خالية من الإملاءات والضغوط والعقوبات والحصار واستخدام العملات والاقتصاد كسلاح في النزاعات.
وتابع الشاعر، أعتقد أن التصريحات القادمة من واشنطن بمثابة مؤشر على قناعة واضحة لدى الإدارة الأمريكية الحالية و”الناتو” بحسم النزاع الأوكراني، ولا بد من المساهمة في إنهائه بأسرع وقت ممكن، على النحو الذي يقترب من أهداف العملية العسكرية الروسية الخاصة بأوكرانيا.وأعتقد أن إيمان الرئيس ترامب بحل الصراع الأوكراني وربطه إياه بتهديد الحرب العالمية الثالثة يؤكد على فهمه للأسباب الحقيقية للصراع، لا بين روسيا وأوكرانيا، وإنما بين روسيا وأوروبا، وبين روسيا و”الناتو”، وبين روسيا والغرب الجماعي بيد أوكرانيا. وكل من استثمر في هذه الدماء يجب أن يعلم تمام العلم أن الأمن القومي الروسي وأمن ووحدة وسيادة روسيا هي خط أحمر ومقدسات لا يمكن تجاوزها أو الاقتراب منها، ولا يمكن ابتزاز روسيا بأي عقوبات أو ضغوط أو حصار، وكل ردود الأفعال على حزم العقوبات التي تخطت 16 حزمة كانت وبالا على أوروبا نفسها ولا ننكر تأثيرها على الاقتصاد الروسي، الذي أثبتت مرونته وكفاءته قدرته الفائقة على تلقي الصدمات والتعامل مع جميع الأزمات.
وقدم الشاعر جملة من القضايا كمقدمات لحل الكثير من الإشكاليات العالقة قائلاً، أرى المطلوب اليوم فعليا من زعماء أوروبا المتورطين في مستنقع أوكرانيا اتخاذ خطوات فورية، خلال شهر لا أكثر، تساهم في وقف إطلاق النار وانسحاب ما تبقى من العسكريين الأوكرانيين من جميع الأراضي الروسية حفاظا على أرواح بضع عشرات الآلاف من الرجال والشباب الأوكرانيين، وترتيب الوضع لمصير زيلينسكي وحاشيته وإلى أي مكان سيغادرون أوكرانيا.
وأضاف، لم يعد هناك أي جدوى من إراقة المزيد من الدماء دون أي معنى وبلا نتيجة، وكبار الضباط في الجيش الأوكراني يستوعبون ذلك بالفعل، وهو ما نراه في انخفاض المعنويات والقدرة القتالية، وما نلمسه في وضع الجيش الأوكراني اليوم، الذي أصبح على شفا الانهيار.أعتقد أننا نخطو خطوات جدية بعيدا على نشوب الحرب العالمية الثالثة، ونبتعد عن التلويح بأي تهديدات بين روسيا وأوروبا، بعد أن تكشفت حقيقة أن الصدام العسكري المباشر مع روسيا هو دمار كارثي للقارة الأوروبية، والمراهنة على “هزيمة روسيا استراتيجيا في أرض المعركة” هو وهم من الأوهام المضللة التي بيعت لأوروبا بغرض استنزاف روسيا، والمراهنة على تفكيكها وإضعافها وانهيارها من الداخل.
وأكد الشاعر على موقع روسيا كقوة عظمى في قلب الأرض الأوراسي لايمكن استعدائها أو تجاهلها قائلاً، إن روسيا دولة عظمى لا يمكن هزيمتها ولا تفكيكها ولا تشويه سمعتها ودورها الهام والأساسي والتاريخي يتجسد في انتقال العالم إلى التعددية القطبية وضمان الأمن والسلام العالميين وهي قناعة تتسرب اليوم إلى عمق المجتمعات الأوروبية التي بدأت تستفيق شيئا فشيئا من سكرة استقبال اللاجئين الأوكرانيين بالملايين على واقع الأزمات الاقتصادية والمجتمعية جراء مغادرة أكثر من 20 مليون أوكراني البلاد لن يعود معظمهم.
وحول الوضع في الشرق الأوسط قال الشاعر، أعتقد أن الوضع في الشرق الأوسط هو الآخر أصبح محسوما مع دخول المفاوضات بشأن المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار بين “حماس” وإسرائيل حيز التنفيذ، وأتمنى أن أكون قد سمعت تصريحات مبعوث ترامب للشرق الأوسط ستيف ويتكوف على نحو صحيح بينما يقول: “خطة ترامب بشأن غزة تتعلق رغبة الفلسطينيين في العيش هناك أو الاستقرار بمكان أفضل”، وهو ما يعني أن الأمر يتعلق برغبة شعبنا الفلسطيني في غزة، لا بإملاءات وخطط “ريفييرا الشرق الأوسط” و”صفقة القرن” وغيرها من خطط إخلاء غزة من الفلسطينيين.
وختم بالقول، أتمنى أن تفضي مفاوضات المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في غزة إلى وقف الحرب بشكل نهائي، وأن يكون جرس إنذار غزة والدم الطاهر الذي أريق دافعا للتوافق الفلسطيني تمهيدا لإقامة الدولة الفلسطينية وتهدئة الأوضاع في المنطقة بأسرها.
المصدر: رأي اليوم.
التيار العربي المستقل تيار سياسي تنموي يعمل على العدالة الاجتماعية والديمقراطية المستدامة