في الوقت الذي تسير فيه المحادثات بين روسيا والولايات المتحدة، لاتبدو عملية الاعتراف الغربي بالمطالب الروسية في المسألة الأكرانية محض قضية بين روسيا والغرب وحسب، بقدر ماهي مسألة أمن دولي و إقليمي تلقي بظلالها على قلب القارة الأوروبية ومعه الشرق الأوسط، خصوصاً وأن مايجري وجرى من محادثات في هذا الشأن لم يتوقف عند اتفاقيات مينسك وحسب، بل تعدتها إلى جملة من المحادثات المرتبطة بقضايا الشرق الأوسط وحل الدولتين، لاسيما وأن المحادثات الأخيرة كانت برعاية من المملكة العربية السعودية كقوة مركزية عربية وإسلامية في الشرق الأوسط، وبالتالي تصبح جميع القضايا الدولية مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بصدقية المحادثات بين الدولتين العظميين الولايات المتحدة وروسيا الاتحادية.
مايثبت تلك الفرضية التصريحات التي أطلقها الرئيس الفرنسي مانويل ماكرون الذي أعرب أن فرنسا ستعترف بالدولة الفلسطينية المستقلة قريباً، وبالتالي اعتراف دولة محورية في حلف الغرب الأطلسي، بأن أمن الشرق الاوسط من أمن أوروبا والعالم ، وهي الاستراتيجية التي ترتبط ارتباطاً وثيقاً بعقيدة السياسة الروسية منذ الاتحاد السوفياتي السابق. ولهذا بدأ العالم الغربي يستوعب انه لا يجوز السكوت على جرائم إسرائيل اليومية ضد الشعب الفلسطيني، في الوقت الذي يرفع فيه الغرب شعارات الحرية، وحقوق الإنسان، وحق تقرير المصير، وتطبيق قرارات الأمم المتحدة التي أصبحت حبراً على ورق المصالح الذاتية الغربية في منطقة الشرق الأوسط، بحيث ظهرت إسرائيل كدولة فوق الشرعية الدولية وقرارات الأمم المتحدة.
تعيش السياسية الأمريكية اليوم حالة قلقة في معرض تعاملها مع روسيا، فهي – أي الولايات المتحدة- مازالت تعيش في عقدة الاتحاد السوفياتي، والإرث الذي خلفته عقيدة الحرب الباردة، وهي التركة التي تحاول التخلص منها بالانفتاح على المحادثات مع روسيا تارة، وتارة أخرى من خلال الخطوات الأمريكية في تعاملها مع دول الناتو ، والدعوة الأمريكية لأن تكون تلك الدول قادرة على الدفاع عن نفسها، الأمر الذي يشير إلى رغبة أمريكية لطي صفحة ” ثقافة الغرب الأطلسي ” الذي تأسست عليه فكرة حلف الناتو، والذي جمع بين جغرافيات لشعوب متباعدة ثقافياً واقتصادياً وإيديولوجياً، طرفاها الولايات المتحدة وشريكها الجيواستراتيجي المفترض ( أوروبا) كعقيدة تعود لأيام الصراع الإيديولوجي أبان الحرب الباردة، متجاهلةً التحولات البنيوية في النظام الدولي الجديد الذي أصبح يجنح لأدوات التنافس بأبعاد اقتصادية تمهد لتحالفات سياسية واضحة، وهو ماظهر جلياً في مجموعة بريكس التي تكاد تجعل من آسيا تكتل صديق، وهو التكتل الذي يهدد الاستراتيجية الأمريكية ليس في أوروبا وحسب، وإنما في العالم ، مايزيد من فرضية عدم استعداء روسيا، كدولة تتموضع جيوسياساً في قلب الأرض الأوراسي.
بين هذا وذاك، تبدو الزيارة الأخيرة لبنيامين نتنياهو إلى واشنطن هي المحك لمدى مصداقية ترامب ومدى قدرته على قراءة تحولات القوة، والواقع الدولي الجديد في التعامل بخصوص ما أعلن عنه فيما يخصّ جميع الملفات العالقة مع روسيا، والتي لايمكن حلحلتها دون الاعتراف – بادئ ذي بدء- بالدولة الفلسطينية المستقلة، كعقيدة راسخة في السياسة الروسية، التي ترى أنه لاحل دون التوافق على حل بشأن القضية الفلسطينية، التي تستنزف الشرقب الأوسط برمته منذ مايقارب مئة عام من الصراع، وبالتالي فإن حل هذه القضية، سيكون المقدمة لحل الأزمة العالمية المحتدمة بين الغرب وروسيا، ناهيك عن مركزيتها في حل جميع قضايا الشرق الأوسط، لاعتبار وحيد مفاده، أن روسيا لا يمكن أن تتنازل عن حق الشعب الفلسطيني في التمتع بدولته المستقلة و عاصمتها القدس الشرقية، و كل الجهود التي تبذلها للوساطات سواء عن طريق المملكة السعودية أو الإمارات أو قطر او البحرين أو مصر أو الأردن هدفها واحد، ألا وهو تحرير فلسطين وإعلان الدولة الفلسطينية.
في هذا السياق قال الكاتب والدبلوماسي الفلسطيني رامي الشاعر في مقالة له على موقع “Arabic RT” ، أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والمبعوث الرئاسي الأمريكي الخاص ستيف ويتكوف اختتما يوم أمس اجتماعا استمر 4 ساعات ونصف الساعة في مكتب الرئيس بمبنى المكتبة الرئاسية في بطرسبورغ.
وأوضح الشاعر، أنّ ستيف ويتكوف قد وصل يوم أمس الجمعة إلى روسيا، عقب محادثات روسية أمريكية في إسطنبول، ضمن رحلاته المكوكية التي تهدف لحلحة الصراع الأوكراني سعيا للتوصل إلى أرضية تفاوض مناسبة للطرفين. لا زالت الهوة واسعة بين موقف الرئيس الأوكراني منتهي الصلاحية والشرعية فلاديمير زيلينسكي، الذي لا يكره بوتين فحسب، وإنما يكره “كل الروس” على حد تعبيره، وبين الموقف الروسي الذي يرى الشعب الأوكراني الشقيق رهينة تحت رحمة عصابة نازية في كييف، تستحل دمه، وتبيعه في سوق النخاسة. ولا زالت الهوة واسعة بين أوهام حدود عام 1991، وبين الواقع على الأرض حيث يتقدم الجيش الروسي بكفاءة على طول جبهة القتال الممتدة على ألفي كيلومتر.
وأشار الشاعر من خلال قراءته للتصريحات الإعلامية للرئيس الأمريكي، أن ترامب تراجع عما أعلن عنه سابقا بصدد الأخذ في الاعتبار الوضع على الأرض كأساس للاتفاق على تسوية الصراع الأوكراني، وحدد ما يسميه “مدة للتوصل إلى اتفاق بين روسيا وأوكرانيا لوقف القتال”، وهو تصريح يعطي انطباع عن تراجع ترامب عن التركيز في السعي إلى إنهاء الأزمة الأوكرانية من خلال المباحثات مع روسيا.
وأضاف، من الواضح أن تراجع ترامب ناتج عن ضغوطات يتعرض لها من بعض زعماء الدول الغربية الذين تورطوا بشكل معقد وعميق في صراعهم مع روسيا بالوكالة، والتسبب بهذا العدد الكبير من الضحايا التي أشار إليها ترامب. تراجع ترامب كذلك عن الرسوم الجمركية التي فرضها 2 أبريل الجاري، وعلّقها لمدة 90 يوما، باستثناء الرسوم الجمركية على البضائع والسلع الصينية، التي زادت، وقامت الصين بإجراء مماثل، في إشارة لبدء حرب تجارية عويصة بين أكبر اقتصادين على مستوى العالم.
وتابع الشاعر بالقول، نتفهم اليوم أن كل الشعارات التي أطلقها ترامب سواء في حملته الانتخابية أو خلال المئة يوم الأولى من حكمه ذهبت أدراج الرياح، وتعجز الإدارة الحالية عن إنجاز كل الأحلام الوردية، التي بدأت بـ “إنهاء الأزمة الأوكرانية في 24 ساعة”. فكل هذه الأمور المعقدة والمتشابكة تحتاج إلى وقت ومفاوضات، والتفاوض مع روسيا على ما هو واقع على أرض المعركة بعد اقتراب العملية العسكرية الروسية الخاصة بأوكرانيا من نهايتها وتحقيقها أهدافها هو أمر مستحيل، لا سيما بعد أن ثبت بالدليل القاطع تورط الولايات المتحدة وبريطانيا في التخطيط للعمليات الأوكرانية ضد روسيا منذ بداية الصراع، وهو ما اعترف به القائد العام السابق للجيش الأوكراني، والسفير الحالي لدى لندن فاليري زالوجني في تقرير نشرته “نيويورك تايمز”.
وتابع، لقد نجحت روسيا في تطهير مقاطعة كورسك من المخربين والإرهابيين من المرتزقة والجنود الأوكرانيين الذين اعتدوا على سيادة الأرض الروسية، وسيتم تطهير بقية الأراضي الروسية تاريخيا من أي تواجد أجنبي، وستتعامل روسيا مع الاعتداءات شبه اليومية ضد المنشآت الروسية بما يناسب العمليات الإرهابية. ويجب على ترامب وحلفائه وأتباعه أن يدركوا أن أيام الدولة الأوكرانية أصبحت معدودة، وأن من مصلحة الغرب الإسراع بالحصول على تسوية لحفظ ماء الوجه، لا لأوكرانيا، بل للغرب بأسره.
و حول الموقف الروسي قال الشاعر، لقد صرح وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، الجمعة، عقب اجتماعه مع مجلس وزراء رابطة الدول المستقلة في ألماتا بكازاخستان، بأن العودة لحدود عام 1991 أصبحت مستحيلة، وإدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أصبحت تعي هذه الحقيقة على نحو مسؤول، في خضم بحثها عن الأسباب الجذرية للأزمة الأوكرانية ومحاولة التعامل معها.
وربط الشاعر نجاح المحادثات الروسية الأمريكية بالأمن الإقليمي والدولي قائلاً، لا شك أن تحسن العلاقات الثنائية بين روسيا والولايات المتحدة أمر ضروري وملح لجميع بلدان العالم، لأن القضية أبعد بكثير من مجرد علاقات ثنائية، وتطال ملفات كثيرة إقليمية ودولية عالقة، في مرحلة حساسة يمر بها عالمنا، ويمكن أن يتم انتزاع فتيل الأزمة والتوتر وإعادة عجلة الاقتصاد واستئناف مباحثات واتفاقيات الحد من الأسلحة الاستراتيجية الهجومية بعيدة ومتوسطة المدى، لكن ذلك لن يحدث ذلك إلا بالتوافق بين موسكو وواشنطن، ووضع خارطة طريق لتطبيع العلاقات بينهما، ويجب أن تظل أوكرانيا في هذا السياق بندا على جدول الأعمال لا قائمة منفردة بذاتها.
وأضاف، وسيسهم التوافق الروسي الأمريكي، حال حدوثه، في حل الملف النووي الإيراني، وفي تسوية الوضع السوري ورفع العقوبات عن سوريا، وفي قضية الشرق الأوسط والعالم الأولى، القضية الفلسطينية، وغيرها من القضايا. لذا يجب أن نسعى، دون هرولة، في هذه المرحلة الدقيقة إلى الاهتمام بكل عوامل التحسن والتقارب والابتعاد عما يعرقل عملية التقارب بين روسيا والولايات المتحدة.
ورأى الشاعر أن الولايات المتحدة مازالت تعيش في عقلية الحرب الباردة وفكرة تقاسم العالم بين قطبين في مرحلة يتوجه العالم فيها فيها إلى التعددية القطبية بشكل واضح قائلاً، أنصح ألا نهتم كثيرا بالماضي، وأن يتخلص الغرب، بقيادة الولايات المتحدة، من عقدة الاتحاد السوفيتي/روسيا، حتى لا يلقي ذلك بظلاله على الحاضر والمستقبل، وبينما نمر بنقطة تحول تاريخية من نظام عالمي يعتمد على الهيمنة القطبية، إلى نظام متعدد القطبية، يجب الآن وهنا الاستفادة من دروس الحرب العالمية الأولى، والتي أفضت في نهاية المطاف إلى الحرب العالمية الثانية.
وأردف الشاعر بالقول، لن يتحقق المستقبل المشرق أبدا طالما كانت أوهام “إلحاق هزيمة استراتيجية بروسيا”، أو “تركيع موسكو”، أو “تدمير الاقتصاد الروسي” حاضرة في الذهن الغربي. لا بد أن يتفهم زعماء الاتحاد الأوروبي و”الناتو” أنه من المستحيل تحدي الولايات المتحدة أو روسيا، ولا بد أن تعترف النخب الأوروبية بتذرعها المتعمد والمزيف والكاذب بسردية أن “روسيا لن تكتفي بأوكرانيا”، وأن “روسيا تمثل الخطر الاستراتيجي الأكبر أمام أوروبا”، والجميع يعلم تماما، وقد أعلنت موسكو مرارا وتكرارا ذلك، أن روسيا لا ترغب، ولا يوجد منطق أو عقل أو مصلحة لها في العدوان على أوروبا. بل كانت الأخيرة هي من بدأ بالتمدد شرقا نحو حدود روسيا، حتى وصلت لأوكرانيا، وهو السبب الأساسي للعملية العسكرية الروسية الخاصة بأوكرانيا، ويجب أن تهبط النخب الأوروبية من برجها العاجي المنعزل، وتنخرط في الواقع الأليم الذي أسفرت عنه مغامرات الإدارات الأمريكية المتعاقبة.
وطالب الشاعر بأن يكون الموقف الأمريكي واضحاً في المحادثات ومعبراً عن الرؤى المشتركة للدولتين العظميين روسيا والولايات المتحدة المعنيتين أكثر من غيرهما في حفط السلم والأمن الدوليين قائلاً، بينما نستمع اليوم إلى طبول الحرب الأوروبية، يجب ألا تنساق إدارة ترامب إلى الضغوط الأوروبية، وأن تسعى لفهم الأسباب الجذرية للصراع الأوكراني، ويجب أن تدرك إدارة ترامب أن زيلينسكي بكراهيته لكل ما هو روسي لا بد وأن يضطر في نهاية المطاف إلى قبول عودة الأراضي الروسية تاريخيا إلى وطنها الأم.
وأضاف، لا يحق ولا يصح لمن يتحدث عن شعبه ويصفهم “بالمخلوقات”، ويطرد بعضهم لمجرد أنه يعتز بثقافته ولغته، لا يحق له أن يمارس سلطته عليهم، ولا ينبغي ويستحيل أن تترك روسيا مواطنيها وأبناء ثقافتها للعودة إلى الجحيم الذي عاش فيه سكان دونباس والقرم بعد انقلاب عام 2014 في كييف.
وختم الشاعر بالقول، إن التقارب الروسي الأمريكي هو استثمار ناجح ومفيد ليس فقط لتسوية الأزمة الأوكرانية وحل القضايا الإقليمية، ولكن أيضا من أجل السلام والأمن الدوليين، ومن أجل إرساء دعائم عالم جديد متعدد الأقطاب يسوده العدل والحرية والمساواة والإخاء.
المصدر: RT عربي
التيار العربي المستقل تيار سياسي تنموي يعمل على العدالة الاجتماعية والديمقراطية المستدامة