الكاتب: أحمد خليفة شبيب/ سياسي سوري.
تتداول وسائل إعلام وجهات رسمية أحاديث حول إمكانية تطبيع الحكومة السورية الحالية علاقاتها مع إسرائيل، وهي التقولات التي – وإن صحت- تدفعنا نحو الحديث عن تاريخ محادثات السلام السورية الإسرائيلية، متى بدأت وأين انتهت، وماهو الوضع القانوني للحكومة الحالية في إطار الحديث عن إمكانية التطبيع.
كان يوم سقوط بشار الأسد يوماً لا ينسى في ذاكرة السوريين، الذين سيتذكرونه كتحول طوى أبشع صفحة في التاريخ السوري، وينتظر السوريون بناء دولتهم التي دمرتها آلة القمع والاستبداد، بدءاً من هذا الانجاز التاريخي الذي حققه السوريون في الثامن من ديسمبر 2024 الذي سيترك – دون شك- آثاره الإيجابية، ليس على سورية وحسب، وإنما على مستوى الإقليم والعالم، بسبب ماتشكله سورية من مركز استراتيجي للتجاذبات الدولية والأقليمية، السياسية منها والاقتصادية.
استهجن السوريون الهجمات إسرائيلية على العديد من المواقع العسكرية بُعيد سقوط النظام ، فقد دمرت هذه هذه الهجمات ترسانة هائلة من عتاد الجيش السوري، وتبعها احتلال عدة مواقع عسكرية استراتيجية والعديد من القرى في المناطق الحدودية، حيث انسحبت من بعضها وبقيت في أخرى حتى يومنا هذا.
إن شعور المواطن السوري بالقلق هو أمر مبرر، ولكن في الوقت ذاته فإن الإحباط غير مبرر أيضاً، لأننا ندرك أسباب هذا التدخل ودوافعه، ونؤمن بقدراتنا وأوراق قوتنا، التي ستضع حداً لهذا الجموح الإسرائيلي.
دعمت إسرائيل بقاء نظام الأسد واستمرار حكمه، وبالتوازي لم تمانع من سيطرة حزب الله على لبنان، وفق قواعد اشتباك متفق عليها. وبعد الهجوم الكبير الذي تم في غلاف قطاع غزة يوم 7 أكتوبر، شعرت القيادة الإسرائيلية بالحرج والهلع، واتخذ القرار بتصفية أذرع إيران في المنطقة، وهنا كان أمام بشار الأسد عدة خيارات جميعها صعبة، ولكنها في نهاية المطاف ستؤدي إلى حتمية سقوطه، وهنا جاءت أهمية استعداد السوريين الذين أعدوا العدة وكانوا جاهزين لهذه اللحظة التاريخية.
شكل انهيار النظام السوري هاجساً أمنياً لحكومة بنيامين نتنياهو، مرده القلق – حسب الرواية الإسرائيلية- على مصير الجبهة الهادئة في الجولان، وسارع بعملية عسكرية هدفها الأول التأكد من أمن الحدود، والثاني إمكانية انتهاز الفرصة من أجل انتزاع اتفاق مع الحكومة الجديدة يكون على حساب حقوق سوريا والشعب السوري.
لقد أكدت الحكومة السورية الحالية التزامها باتفاق فض الاشتباك الموقع عام 1974، وكان هذا الالتزام على لسان السيد أحمد الشرع رئيس الجمهورية، ومن على منبر القمة العربية الأخيرة في القاهرة، ولكن هذا لم يرض نتنياهو الغارق في مشاكله الداخلية، واستمر في تدخله واستفزازاته، وبالمقابل استمر الصبر البناء في مواجهته، إذ لا أولوية تعلو على تعزيز الأمن الداخلي وترتيب البيت الداخلي.
يعي نتنياهو تماماً واقع المفاوضات السورية الإسرائيلية، مروراً بوديعة رابين، وتـأكيد شمعون بيريز على هذه الوديعة، ويعلم أنه قبيل اغتيال رابين تم الاتفاق على كل الخطوات التي ستتبع توقيع معاهدة السلام، ومراحل تنفيذها، ومتى ستنتهي حالة الحرب بين البلدين وما الذي سوف يحصل بعد المرحلة الأولى من الانسحاب، ومتى سيسمح لإسرائيل بفتح مكتب ضمن السفارة الأمريكية في دمشق، ومتى سيكون لإسرائيل مكتب مستقل. و المرحلة التي يتم فيها تبادل السفارات بعد اتمام الانسحاب التام حتى خط الرابع من حزيران، وما يترتب على ذلك من إجراءات في طريق التطبيع، بالإضافة الى مخرجات محادثات رئيسي الأركان، التي ناقشت مواضيع الترتيبات الأمنية بكل تفاصيلها، وجنسيات قوات المراقبة على أعلى قمة لجبل الشيخ، (بدون وجود إسرائيلي) وكذلك المناطق منزوعة السلاح، والاتفاق على أن تكون هذه المناطق بعمق 2-3 كم من كل جانب، والمناطق مخففة السلاح، وقيام كل جانب بالترتيبات الأمنية في مناطق تسمى “المناطق ذات الصلة”، والمقصود فيها “المناطق التي حصلت فيها اشتباكات عسكرية”، وهي تنحصر في المناطق الواقعة بين مدينتي القنيطرة في سورية وصفد في فلسطين، والاتفاق على موضوع الترتيبات الأمنية على الأرض والمراقبة الجوية والفضائية، وتكليف الجانب الأمريكي بالمساعدة التكنولوجية في هذا المجال خاصة. يضاف الى ذلك نتائج أعمال لجنة رسم خط الرابع من حزيران1967، وهي النقطة الأكثر إشكالية في كل عملية التفاوض ونقاط العلام الست التي اشترطت الحكومة السورية أن تكون أساساً لتحديد خط الرابع من حزيران؛ وكان الاتفاق على أن تتسلم اسرائيل أجوبة سورية على الأسئلة الستة المتعلقة بأهداف ومباديء الترتيبات الأمنية والمودعة عند الجانب التركي( وديعة سوريا) حال موافقة الإسرائيلي على نقاط العلام الست.
عندما زار السيناتور الأمريكي جورج ميتشل دمشق في شهر كانون ثاني 2010 ، عرض على الحكومة السورية آنذاك استئناف مفاوضات السلام، وقال إن لدى الادارة الامريكية انطباعاً نتيجة مباحثات تمت مع نتنياهو أنه يريد الوصول إلى اتفاق سلام مع سوريا، و أن لدى نتنياهو قناعة بأنه لا يمكن الاستمرار في الوضع الحالي. ونذكر هنا أنه في عام 1999 قد أبدى نتنياهو استعداده الانسحاب من الجولان حتى حدود الرابع من حزيران، وهذا كان مضمون رسالة تسلمها الرئيس الأمريكي بيل كلينتون آنذاك من مبعوث نتنياهو للمفاوضات مع سوريا رون لاودر .
في سبيل التعامل المسؤول مع هذا الموضوع الحّساس ورغبة في تحقيق السلامة الوطنية، سيكون لزاماً على الحكومة الحالية التمسك باتفاق فصل القوات 1974 ، وعدم القيام بأي إجراء من شأنه تغيير التوصيف القانوني للجولان كأرض سورية تحت الاحتلال؛ وأنها في الوقت الذي تستطيع فيه إعطاء ضمانات أمنية محددة عبر قوات الاندوف UDOF المكلفة من الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك، وبالتالي على الحكومة الحالية أيضاً أن تعلن أنها لاتملك الحق باجراء أي تفاوض أو اتخاذ أي قرار فيما يخص الجولان، وأن من حق أول حكومة سورية منتخبة استئناف المفاوضات السورية – الاسرائيلية من النقطة التي توقفت عندها في آخر مفاوضات غير مباشرة في اسطنبول.
ولمواجهة الضغط الحالي يجب اطلاق حملة سياسية – إعلامية – شعبية تسخر فيها كل الطاقات والعلاقات الدولية لهذا الغرض. وبموازاة ذلك يجب العمل على تعزيز الثقة الشعبية بالحكومة الحالية فيما يتعلق بهذه القضية عبر إصدار محددات سياسية مرضية لأبناء الشعب السوري عامة، وأبناء الجولان بشكل خاص ومساعدتهم في خلق لوبي ضاغط وبنّاء يساهم في تعزيز موقف سوريا في المفاوضات والتواصلات الدولية المستقبلية؛ وبذات الوقت دعم تبني خيار السلام بمفهومه الواسع والعادل، الذي سينهي الاحتلال بشكل كامل وسيكون ضمانة للاستقرار المستدام في سوريا والمنطقة.
التيار العربي المستقل
30 أبريل 2025
التيار العربي المستقل تيار سياسي تنموي يعمل على العدالة الاجتماعية والديمقراطية المستدامة