أخبار ||

د. أروى الشاعر تكتب: حين صارت الكاميرا نعشًا

في غزة، يستشهد الصحفيون وأعينهم مفتوحة على المشهد الأخير، يسرقون من الموت صورة، أو كلمة، قبل أن يمد يده إليهم.

أنس الشريف، محمد قريقع، كان حضورهما مألوفًا كوجوه الأطفال الملطخة بالرماد. لم أكن أعرف أن الشاشة يمكن أن تتحول إلى بيتي وأن الوجوه التي تطل منها كل يوم يمكن أن تصبح جزءًا من عائلتي.

كنت أراكما مع فنجان قهوتي الصباحية، ترافقانني في الصباح والمساء، تمامًا كما يرافق الإخوة بعضهم في رحلة طويلة.

عرفتكما بين الركام، تمسكان الكاميرا كما يمسك المقاوم بندقيته، وأرى في كل ظهور لكما احتمال الغياب، وأدرك أن هذه اللقطة قد تكون الأخيرة. كانت خطواتكما تسبق الخطر، والخطر يلاحقكما بلا هوادة.

كم مرة وقفت معكما أمام أبواب المستشفيات، بين أنين الأطفال الجياع والجرحى وبكاء الأمهات، كم مرة تبعت خطواتكما إلى المقابر الجماعية، حيث الأرض أوسع من الصدر وأضيق من الحلم، كم مرة رأيتكما في طوابير الخبز والماء، ووجوهكما شاحبة من الجوع والسهر، لكن أصواتكما ثابتة، لا ترتجف إلا من هول المشهد.

في غزة، الكاميرا أثقل وأقسى من البندقية، لأن من يمسكها يعرف أنه يقف في منتصف قائمة الشهداء.

أنس ومحمد كنتما تعرفان أن الصحافة عندكما لم تكن مهنة، بل موعدًا مؤجلًا مع الشهادة، وربما كنتما تعرفان أن الصورة الأخيرة ستلتقطها يد عدوٍّ يريد أن يخفي عن العالم هول جرائمه، وأن رحيلكما سيكون خبرًا عاجلًا، لكنه لن يكون عابرًا.

رحلتما، لكن أصواتكما لن تغادر، ستعود من السماء في كل تقرير لم يكتمل، وفي كل مشهد التقطته أيديكما الثابتة تحت القصف. ستبقى صوركما تسير في أزقة غزة، تلتقط المأساة التي لن تُنسى، وتكون الشرارة التي تفضح الاستبداد الصهيوني حتى سقوطه.

رحلتما لتكملا غياب 225 شهيدًا من حراس الحقيقة، تحملان إليهم آخر تقرير من ساحة الموت، وتجيئان بالخبر الذي لم نستطع نحن أن نتحمله: أن الخذلان أكبر من القصف، وأن الصمت العربي أخطر من الرصاص. تركناكم وحدكم في الميدان، وحملتم عنّا عبء الشهادة والوطن.

في غزة، لا يختار الصحفيون الشهادة، هي التي تختارهم. فمنذ أن وضعوا الكاميرا على كتفهم، وقّعوا صك الغياب، وأدرجوا أسماءهم في منتصف قائمة الشهداء، ينتظرون فقط دورهم، واليوم جاء دور أنس ومحمد.

سلامًا عليكما وعلى كل صحفي أصرّ أن يروي الحقيقة وإن كانت نهايته.

سلامًا على كل يد رفعت الكاميرا في وجه القاتل، وعلى كل صوت ما انحنى.

سلامًا لكم، يا من التحفتم الأرض هانئين، وغزة تحتكم وسادة دم، والكاميرا فوق صدوركم راية نصرٍ.

تركتم فينا جرحًا، وفي حلوقنا نداءً:

أن الكلمة حين تُكتب بالدم لا تفنى ولا تُبتدى،

وأن من بعدكم لن ينام القاتل آمنًا، وستبقى صوركم في كل مشهدٍ تتقد وتفضح المجرم.

__________

د. أروى محمد الشاعر: أديبة وكاتبة من عائلة فلسطينية مناضلة من يافا، هي ابنة المناضل والكاتب الفلسطيني العميد الدكتور محمد الشاعر، أحد مؤسسي منظمة التحرير الفلسطنية، الذي شغل منصب أول سفير لفلسطين في الاتحاد السوفياتي السابق ، وابنة المناضلة والناشطة الفلسطنينة وفيقة حمدي، أحد أهم رواد الحركة الثقافية والنسوية في فلسطين،  وشقيقة الأديبة الدكتورة عالية الشاعر، وشقيقة الكاتب والدبلوماسي المعروف رامي الشاعر، وعمة بطلة الفروسية العالمية ديانا رامي الشاعر.

المصدر: رأي اليوم.

 

الآراء الواردة لاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع، وإنما رأي كاتبها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.