أخبار ||

ماوراء الجولات المكوكية للدبلوماسية الروسية: هل سورية أمام مسار جديد، ولماذا غابت إيران؟.

يثير الحراك الدبلوماسي الروسي في الأيام الأخيرة الكثير من التساؤلات من قبل السوريين، إذ يبدو حراكاً في جميع الاتجاهات، لاسيما بعد الأوضاع الاقتصادية المزرية في سورية، التي أصبحت تنذر بمجاعة تطل براسها على السوريين في الداخل، عدا الأوضاع الكارثية للسوريين في مناطق المخيمات والنزوح.

ظهر الحراك الدبلوماسي الروسي – في الأيام القليلة الماضية- مكثفاً من خلال لقاءات و زيارات مكوكية لوزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف طاف بها بين الإمارات والسعودية وقطر، مستفيداً من التوجس الخليجي من سياسات الإدارة الأمريكية الجديدة، ومؤكداً على الرغبة الروسية لكسر جليد العملية السياسية السورية، بدءاً من تفعيل الدور العربي، بالاستفادة من المصالحة العربية، وبالتالي رغبة روسية واضحة لإعادة سورية والملف السوري إلى حضنه العربي.

اليوم الخميس، احتضنت الدوحة  مؤتمراً صحفياً مشتركاً لوزراء خارجية روسيا وتركيا وقطر، في إطار عملية تشاورية عكست مقاربة جديدة، تقوم على مواصلة الاجتماعات المشتركة لبحث الملف السوري،الأمر الذي قد يشير إلى ولادة مسار جديد من الدوحة بشأن التسوية السورية خارج مسار أستانا.

لم يتوقف الحراك الروسي مع الدول العربية أو الإقليمية الضالعة بالملف السوري وحسب، إنما توازى مع دبلوماسية الهمس الإعلامي على الصحف الروسية التي دأب عليها الكاتب رامي الشاعر المعروف بقربه من مراكز القرار في روسيا، حيث دعا  الشاعر الإدارة الأمريكية إلى الخروج بمبادرة سورية على غرار المبادرة الأفغانية، لرفع المعاناة عن الشعب السوري بسبب تدهور الوضع الاقتصادي، و تمنى ” الشاعر” أن تكون الأوضاع المأساوية للسوريين فرصة لتفاهمات روسية أمريكية ومدخلاً للحل السياسي في سورية.

دعوة الشاعر  لم تكن  استجداءً – كما وصفها البعض- بقدر  ماجاءت في إطار دعوة تؤسس لحل سياسي في مرحلة من عمر الصراع السوري أصبحت معها سورية تعاني من أوضاع كارثية لاتحتمل تنافسات وصراعات جديدة، يدفع ثمنها – حسب الشاعر- ملايين السوريين، الذين يعانون من الفقر والجوع والمرض. كما تتسق مع الرغبة التي أبدتها الإدارة الأمريكية الجديدة – منذ أيامها الأولى- بالتعامل مع الملف السوري من خلال دعم اقتصاد المجتمعات المحلية.

تبدو سورية الآن أمام مسار جديد، أطرافه كل من تركيا وروسيا وقطر، اتساقاً مع تنسيق روسي مع السعودية والإمارات، إلا أنّ أحداً لا يمكنه أن يجزم بمدى إمكانية تبلور هذا المسار ليكون مساراً سياسياً محضاً لحل الصراع السوري، بدءاً من معالجة الأوضاع الإنسانية والاقتصادية لسورية والسوريين، وبالتالي فإن المسار الجديد قد يحمل الحل وضده.

لعل من أكبر التحديات أمام  المسار الجديد هي أن تكون المأساة الإنسانية للسوريين مدخلاً للحل السياسي، خصوصاً مع الدعوات الأخيرة التي تحاول الاستثمار في الحالة الإنسانية لصالح ” مشاريع بديلة” عن العملية السياسية، وبالتالي تقاسم مناطق النفوذ وتأهيلها ودعم إقتصادها، ماقد يؤدي على المدى الطويل إلى توطين النزوح والتغيير الديموغرافي والتقسيم السيكولوجي بين السوريين، وبالتالي الاعتراف بواقع خطوط التماس، لاسيما وأن المسار الجديد قد ركز على ” تخفيف الأزمة الإنسانية في سورية”، و” ضرورة زيادة الجهود لمضاعفة المساعدات الإنسانية، ومواجهة فيروس كورونا”. و” الحاجة ماسة لتخفيف الظروف المعيشية السيئة التي يمر بها السوريون بسبب الأزمة”.

قد يشكل المسار الجديد فرصة تاريخية للفاعلين الدوليين والإقليميين والمحليين لإنقاذ الحل السياسي من بوابة الحلول الإنسانية، وهو ما أكد عليه وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف الذي وصف المسار بأنه ” مسار سياسي في إطار حل الأزمة السورية وتسوية النزاع، لكنه لا ينافس مسار أستانا”، مضيفاً بأن ” كل تحركات اللاعبين الدوليين يجب أن تحترم وحدة و سيادة سورية”.

المتفق عليه، أنّ مسار الدوحة، أكد على المشاركة من أجل تأمين العودة الطوعية والآمنة للاجئين إلى سورية، وهي الفرضية التي لايمكن تحقيقها بدون آليات تضمن هذه العودة الآمنة من خلال عملية سياسية جادة وشاملة.

السؤال، هل يتمكن المسار الجديد من التوفيق بين التجاذبات الحادة للصراع السوري، مستفيداً من التفاهمات العربية- العربية مؤخراً، حيث يتواجد  ثلاث دول عربية داخل المجموعة المصغرة إلى جانب الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا وبريطانيا وألمانيا، وذلك بتمكين هذا المسار في أن يوائم ويلائم بين المعارضات السورية المنقسمة، وإعادة هيكلتها وتوحيدها بتوافق عربي وإقليمي و دولي، بالاستفادة من إقصاء إيران، التي مازالت تزاود بعودة النظام  إلى ماقبل 2011، بينما تعمل روسيا على تطبيق القرار 2254، كتوليفة دولية توافقية، صدرت على خلفية مباحثات مارثونية بين الروس والأمريكان، وهي الحقيقة التي لايمكن لأحد أن يتجاهلها.

11 آذار/ مارس 2021

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *